هشام جعيط

277

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وقورا على عالم بطولي ، ومعمّرا كاد يبلغ المائة « 1 » . الأجيال غير الأجيال والعصور غير العصور . منعرج الثمانينات بصورة محسوسة أكثر ، كانت ثورة ابن الأشعث ( 82 - 83 ) منطلقا لإنشاء عاصمة إدارية وعسكرية أموية صرف في العراق ، نعني واسط . وفقد المقاتلة في الكوفة والبصرة استقلاليتهم بعد أن احتل جيش الشام العراق بصفة دائمة . وبالتالي ، صارت الأمصار منزوعة السلاح فعلا « 2 » . واستمر العمل بالنسق الجبائي السابق - الذي أنبنت عليه الأمور كافة - ( الخراج والعطاء والرزق ) ، لكن داخله الاضطراب . لقد قدرت مداخيل الكوفة في ولاية زياد ب 40 مليونا من الدراهم ، في حين كانت مداخيل البصرة 60 مليونا « 3 » . وكانت 60 % منها تحول إلى عطاء الرجال المسجلين بالديوان ، وتنفق 27 % على عطاء الذرية وتوجه حوالي 3 ملايين درهم إلى الخليفة وينفق الباقي محليا مع إبقاء جزء منه « للبوائق والنوائب » « 4 » . وبذلك بلغ خراج المدينتين 100 مليون درهم ، وهو المقدار المساوي لما كان يجمع في خلافة عمر « 5 » . ثم انخفض في ولاية الحجاج إلى 24 مليونا « 6 » ، وقد حصل أن ارتفع إلى 40 وحتى 80 مليونا « 7 » ، لكن الانهيار أمر واقع . وينبغي ربطه بالإرث الذي خلفته فترة طويلة من الاضطرابات السابقة ، فضلا عن التشويش الذي أدخله شبيب على النسق الجبائي ( كسر الخراج ) . كان اضطرابا مقصودا متعمدا إذ ألقيت وبعثرت أكياس ملأى بالدراهم « 8 » . وأخيرا فقد اندلعت ثورة ابن الأشعث ( 82 - 83 ) ، وهي ثورة « المصرين » دون أن يكون لها محتوى إيديولوجي ، حيث أن توجهها تمثل تماما في إرادة القضاء على الحضور الأموي في العراق . كانت النتائج متنوعة مهمة ، تمثلت في الانفصام النفساني بين أهل العراق والنظام كما

--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 259 و 265 . ( 2 ) Shaban , op . cit . , pp . 113 - 116 . ( 3 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 218 - 219 . ( 4 ) المرجع نفسه . ( 5 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 26 ؛ فتوح البلدان ، ص 270 . ( 6 ) ابن خرداذبه ، ص 14 ، جعله ينخفض إلى 18 مليونا . ( 7 ) ورد في فتوح البلدان ، ص 270 ، 40 مليونا . أما الماوردي ، فقد ذكر 80 مليونا : الأحكام السلطانية ، ص 176 . ( 8 ) الطبري ، ج 7 ، ص 267 : ملحوظة مهمّة عن جباية الخراج .