هشام جعيط

274

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إحداهما من العصر الأموي والثانية من العصر العباسي ؟ وفي هذه الصورة لعل الحجاج لم يعبر سكة البريد الموجودة في عصره ، بل عبر ما سمي بهذا الاسم ، ولعلها سكة وجدت على أساس أنها الطريق المؤدية إلى السواد والمدائن ، علما أنه يمكن التفكير في طريق البريد الرسمية التي ربما اتخذت في العصر الأموي مسلكا آخر مخالفا للمسلك المتوخى داخل البادية ، أي أنه مسلك آخر غير مسلك النخيلة ، واستخدمت الطريق والمحطات الساسانية . وبذلك لعل طريق البريد من الحيرة إلى المدائن ، ومن الكوفة إلى دمشق وإلى بغداد العتيدة ، تطابق جزءا من الطريق . هذا تعليل يقوم على افتراض صرف « 1 » . وعلى كل حال ، لا يوجد أي شك بخصوص وجود سكة رئيسة في القرن الهجري الأول ، تتجه كخط القطر من القصر وتمر بالمسجد ( ذكر عمر بن شبة باب الفيل كنقطة انطلق منها الحجاج ، ولم يذكر سكة البريد ) ، وتنفتح على الجزء الشمالي من السبخة ، والمرجح أنها تصل إلى الجسر ، أما نحن فنميل إلى الاعتقاد بأن هذه التسمية لا تاريخية ، سابقة للأوان . 5 ) وفيما يتعلق بالمحيط الذي يقع إلى شرقي الشمال الشرقي ، ويأتي بعد « أفواه » السكك ، أي مداخل المدينة دون أبواب ، تبقى المسافات الفاصلة بين المواقع المحددة مجهولة إطلاقا . ولا يعدو الأمر أن يكون إلّا ترابطا للمواقع التي تتشارك في التحديد . فانطلاقا من السبخة ، وبالاتجاه شمالا ومحاذاة للفرات بصورة متفاوتة ، يمكن على التوالي استعراض النقط التالية : مسجد شبيب بطرفها ، إلى جانب الإيوان ( لعله كان عباسيا ؟ ) وبستان زائدة والجسر ودار الرزق ، ويمكن عكس النقطتين الأخيرتين « 2 » . وأخيرا ، فإن الركن الشمالي الشرقي الذي تخترقه سكة البريد أو ما يقوم مقامها ، من طرف إلى آخر ، بقي نقطة ممتازة للدخول ، على الرغم من امتلاء الفراغ الأصلي بالبناءات ، إضافة إلى الجانب الشرقي والكناسة ، والركن الجنوبي الشرقي بصورة ثانوية . تلك هي النتائج التي نستمدها من تحليلنا لعملية شبيب التي زادت من وضوح تصورنا للكوفة وقضت على كثير من الشك . من بين أربع ثورات هزت مدينة الكوفة في العصر الأموي ، كانت ثورة شبيب وثورة المختار هما الأكثر نطقا على صعيد البحث الطوبوغرافي .

--> ( 1 ) يرى البلاذري أن سكة البريد ( العباسية ) احتلت موقع الكنيسة التي بناها الوالي خالد القسري لأمه : فتوح البلدان ، ص 284 . ( 2 ) ورد ذكر دير هند بالنسبة للمختار : الطبري ، ج 6 ، ص 22 . وقد غاب هذا الأمر على الشابشتي فلم يذكر إلا دير هند بالحيرة : الديارات ، ص 244 .