هشام جعيط
273
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كان يتحول إلى زاوية من 90 درجة ؟ أم أن تحوله نصف دائري ؟ أو بواسطة نسق كامل من السكك المائلة تتسبب في تعقيد التخطيط تعقيدا عجيبا ؟ أم بالخلط بين النمط التعامدي والنمط المائل ، هو الحال تقريبا في كل مدينة ؟ هذه قضايا مستعصية على الحل . لكنّ تشابك الطرق ثابت ، بحيث أن تقاطعا ما ينقذ المدينة من الاختناق ويكفل الاتصالات المعقلنة . ولا مراء في أن فكرة انتظام تخطيط الكوفة تفرض علينا وجودها مجدّدا وبقوة . 4 ) إذا وجب اعتبار سكة لحام جرير كأحد الشوارع التي تقطع الجانب الشرقي من المدينة لا كشارع يتجه إلى الشمال الشرقي وينفتح على الجسر كما تصوره ماسينيون « 1 » فإن وضع سكة البريد يبقى في غموض دائم على الرغم من التوضيح الحاسم الذي قدمته النصوص التي روت قضية شبيب . يبقى غامضا لما ينطوي عليه من مخاطر الاسقاطات الزمنية ، التي قد تنجم عن التسمية كما عن الأمر ذاته . وإذا ما صدقنا البلاذري فإن سكة لحام جرير خطأ تاريخي ، وهو الذي جزم بأن تسمية بعض الأماكن بأسماء فارسية حصل بعد مجيء جند خراسان ( أي بعد سنة 132 ه ) « 2 » . لكن لعلها كانت موجودة حتى قبل ذلك خلال ولاية الحجاج باسم جرير اللحام وحتى بدون اسم بالمرة . أما بخصوص سكة البريد ، فالشك ما زال قائما ، وقد أشرنا إلى تخميننا ذاك ، وهو يتمثل في وجود سكة البريد في العصر العباسي في اتجاه بغداد . ألم تكن طريق النخيلة أكثر استخداما للذهاب إلى دمشق ؟ لماذا تضارب أبو مخنف والمصادر الأخرى بصفة عامة ، فقيل لنا إن الطريق كانت تمر بأرحب وشاكر « 3 » من جهة وإنها كانت تشكل خطا مستقيما يربط بين القصر وشمالي السبخة والجسر كما هو محتمل من جهة أخرى « 4 » ؟ ألم تتطابق الذكريات بخصوص طريقتين متواليتين
--> ( 1 ) Massignon , op . cit . , p . 42 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 281 . لم يذكر البلاذري بالمرة سكة لحام جرير بل أشار إلى هذه الظاهرة عند حديثه عن حجام عنترة وأماكن أخرى بالكوفة ، ويمكن أن يشمل ذلك اسم المكان الذي نحن بصدد النظر فيه وقام ماسينيون بذلك : op . cit . , p . 45 ، واستنتج لنا أن أبا مخنف كتب روايته بعد سنة 132 ه مصححا أسماء المكان » . والأمر المحير أن أبا مخنف يذكّر بما جد من تحويرات بطول المدة ، وذلك ما يفعله سيف ولكنه لا يستمر في الأمر . ( 3 ) انفرد أبو مخنف بهذا الخبر عندما وصف ثورة زيد ( 122 ه ) : الطبري ، ج 7 ، ص 186 ولعل الأمر يعني أن دور همدان تقدمت إلى المركز في عصر متأخر . ( 4 ) حدد ماسينيون مسلكها بين الجسر والقصر والكناسة لكنه وضع الكناسة بالغرب تماما وجعل طريق دمشق تنطلق منها : op . cit . , p . 45 . ، وهو لم يذكر مصادره لكنه قال إنه اعتمد الأحداث التي جرت سنة 66 ه . والملاحظ أن زيادا وجه نحو دمشق أصحاب حجر بن عدي الذين مروا بجبانة عرزم . الواقعة في خطة عبس قرب الكناسة فعلا : الطبري ، ج 5 ، ص 270 .