هشام جعيط
271
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كان سيف منكبا على تأليف أخباره كانت هناك قطائع بقيت من الخطط القديمة وخلفت آثارها في أسماء المكان منها سليم ومرهبة وكلاهما موضع حقيقي قائم بذاته ، وكانت هناك شظايا ذكريات عن حضور قديم جدا : مثلا البويب ذاته . لكن تنتابنا في كل حال الحيرة بخصوص دار الرزق التي ورد ذكرها في أخبار جانبية اعتمدها الطبري « 1 » وقد طفت أيضا قصائد في رواية سيف « 2 » ، وهي تتحدث عن النخيلة « إذ بالنخيلة قتلى جند مهران » . ذلك أن هذه الشهادات الأولية استندت دون شك إلى علامة موجودة في ذلك الوقت ، لا إلى علامات مقبلة ، وتشكل النخيلة محطة أولى على الطريق الداخلية للجزيرة ودمشق وكانت تقع إلى شمالي الشمال الغربي من الكوفة ؛ على أنه يصعب تحديد موقعها تحديدا قطعيا ، ولم يتوفر لنا أي خبر عن بعدها « 3 » . وبما أنها كانت مرحلة ونقطة توقف « 4 » فإنه ينبغي التمسك بفكرة المسافة الدنيا - ربما فرسخ . فإما أن هناك خبرين منفصلين انفصالا جذريا وهو الأمر الأكثر رجحانا ، وإما أن هناك تربة مشتركة بينهما . في هذه الحال تكون دار الرزق والنخيلة اختلطتا في فكر شهود لا ينزعون إلى التدقيق إلا قليلا ، ويكون الذي أثر على هذه النظرة هو شعور غامض ببعد دار الرزق عن الكوفة بحيث أن النخيلة والدار وضعتا معا على صعيد ذهني خيالي وبصري واحد . ويتبين من هذا النقاش بالخصوص ، وبالاستناد إلى رواية سيف إجمالا ، وجود شعور مفاده أن دار الرزق تشغل موقعا قصيا في اتجاه الشمال الشرقي ، أعلى بكثير من الجسر ، مع بقائها داخل نطاق الكوفة بالذات وفي محيطها . حصيلة تصورنا رأينا أن اقتفاء أثر شبيب أفادنا في التقدم للإحاطة بالتركيبة الطوبوغرافية للكوفة . لقد اندمج أكبر قسم من المشاكل المطروحة ، وما كان يؤمل من نتائج في ثنايا العرض ، نعني موقع قطائع بكر في حزام الخطط ، وتقارب موقع مزينة وسليم ، والأخبار المتوافرة عن تشتت بكر في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي في آن واحد أي أسفل الفرات والبادية ، وتعميق معرفتنا بمنطقة السبخة والجسر ، ودار الرزق ، وأخيرا ملحوظات عن السكك . هناك بعض النقاط التي تستحق إعادة النظر ، والتثبيت والحسم . وبعبارة أخرى : ما
--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 472 ، ولا سيما ما اقتبسه عن ابن إسحاق . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 471 . ( 3 ) صالح العلي ، « منطقة الكوفة » ، مقال مذكور ، ص 237 - 238 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 562 ، وج 5 ، ص 73 و 78 و 79 ؛ أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 165 وج 5 ، ص 204 و 207 و 310 ؛ الدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 115 و 165 ؛ ياقوت ، معجم البلدان ، هذه المادة .