هشام جعيط
269
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
بقي غير دقيق باستمرار ، لكن يبدو أن هناك تجاورا شبه مباشر . وبما أن الحجاج لم يتحرك ، فقد تحول شبيب إلى السبخة ليعسكر هناك « بين الكوفة والفرات » « 1 » . فلم يبق أدنى شك عند هذا المؤلف بخصوص تحديد الموقع ، خلافا للغموض الذي ساد رواية أبي مخنف ، أي في الشرق تماما ، فتميّزت بوضوح عن دار الرزق والجسر والشاطئ كما أكد ذلك بعد قليل سير الأحداث ، ولا سيما تراجع شبيب « 2 » . ولم يشر أبو مخنف في أي مكان من كتابه وضمن هذه المحاولة الثالثة ، إلى دار الرزق ، في حين جعل ابن شبة منها محور محيط المعارك هذه ، وعنصرا مركزيا في كل حال . إنما ينبغي التذكير أن أبا مخنف قدم هذه البناية خلال المرحلة الأولى بأنها المكان الذي اختاره شبيب بالذات ليعسكر فيه ، في حين أنه لم يعبر النهر على الجسر « 3 » . ولعل الدار قريبة من الجسر أو موجودة في الشمال - أي أنها كانت أبعد بناية في الكوفة . ومن الواضح أنها كانت موجودة خارج السبخة ، حتى عند أبي مخنف . عودة إلى سيف بخصوص دار الرزق صمتت المصادر حتى ذلك الوقت عن هذه العلامة الأساسية ، على الرغم من كون دار الرزق تقع بمنطقة ساخنة وصاخبة ومشحونة بالتاريخ بصفة خاصة . كانت منطقة تربط الكوفة بالسواد - المكان الشديد الحيوية بالنسبة إليها - والرئة التي منها يتنفس المصر ، لأن اهراء القمح هذا « 4 » لم ينشأ صدفة ، حيث كانت الكوفة تستمد قوتها منه ، والأرجح أن دار الرزق أنشئت منذ ولاية زياد « 5 » . على أن سيفا روى معركة البويب ( سنة 13 ه حسب تحقيبه ) وأشار إليها صراحة عدة مرات في خبر امتاز بوضوحه ، سواء بالنسبة لدار الرزق أو الكوفة كلها « 6 » . لقد سبق أن قلنا إن المعركة دارت على موقع الكوفة ذاته : « المشركون بموضع دار الرزق ، والمسلمون بموضع السكون » « 7 » . ثم دقّق سيف مقاله مرّتين بأن أضاف
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 276 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 276 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 236 قال : « وعسكر في دار الرزق » . ( 4 ) انظر بخصوص وظيفتها : Massignon , op . cit . , p . 48 ، وكذلك لاحقا . ( 5 ) كانت بالفسطاط دار منذ أن تولى عمرو بن العاص : فتوح البلدان ، ص 216 . وقد روى سيف أن دار الرزق بالبصرة موجودة في 36 ه فيما يظهر : الطبري ، ج 4 ، ص 466 وما بعدها . والمرجح أن تحديدها إسقاط ، فقد روى المدائني ، جازما ، أن زيادا هو الذي بنى دار الرزق في البصرة : أنساب الأشراف ، قسم 4 ، ج 1 ، ص 214 . ولا شك أن الأمر حدث كما ذكر بالنسبة للكوفة . ( 6 ) الطبري ، ج 3 ، ص 463 وما بعدها . ( 7 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 463 .