هشام جعيط

266

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

ويشدّ اليوم الثاني انتباهنا لأن الحجاج أمر مواليه المسلّحين بالتحصّن في مدخل السكك . وكذلك فعل أهل الكوفة الذين « وقفوا على أفواه السّكك » « 1 » ، فكأنما وجدت سكك عمومية أسندت لحرس الوالي وحدهم ولرجاله ( المقصودة بالذات سكة البريد التي سيأتي الحديث عنها ) ، وسكك للخطط ينبغي للسكان أن يدافعوا عنها : هذا مجرد افتراض جدير بالاعتبار . ثم رتب الحجاج الأمر في اليوم الثالث ، وهو يوم القتال الحقيقي ، بحيث تمركز قادة جيش الكوفة ، لا أهل الشام ، في « أفواه السكك » « 2 » . ولم ينج الحجاج نفسه من حركة تطويق قام بها شبيب إلا بالاستماتة في الدفاع عن سكة لحام جرير « 3 » إما بمساعدة السكان وإما بمساعدة رجاله ، ولا علم لنا بذلك بصفة دقيقة . اشتد القتال في اليوم الثالث « 4 » وقد دار رحاه خارج الكوفة ذاتها ، حيث كانت السكك مسدودة ، فدار في مكان خال يبدأ بالسبخة وينتهي بالجسر . ونحن ندرك حدوده نوعا ما بالمقارنة بين هذه العملية وبين ثورة المختار التي رويت بصورة أقل دقة ، إذ أحاطت به علامات كثيرة : القصر بداية ومنه انطلق الحجاج ثم سكة البريد التي مر بها وأخيرا « أعلى السبخة » حيث انتهى به المطاف « 5 » . وبعد أن تمّ صد الحملات العنيفة التي قام بها شبيب من قبل جيش الشام الذي كان حصنا منيعا قام بالدفاع المستميت فلم تمكن زحزحته عن موقعه ، فضلا عن أن خطب الحجاج بعثت فيه الحماس « 6 » ، أمر شبيب جانبا من جيشه باقتحام سكة لحّام جرير ليقطع خط الرجعة على الحجاج « 7 » ، لكن ردّ الهجوم . والملاحظ من الآن أن سكة لحام جرير تقع حيث يمكن الوصول إلى سكة البريد بعد المرور بها ، وذلك بالاعتماد على هذه العملية وأيضا من الوجهة الطوبوغرافية ، وحيث يمكن الأخذ بسكة البريد حتى الخروج منها في أعلى السبخة حيث كان الحجاج في بدء القتال . ورأيي أنه ينبغي تعريفها كإحدى السكك المتجهة من الغرب إلى الشرق والمنطلقة من المركز ، وهي تعبر السوق وتقسم الخطط الشرقية وصولا إلى وسط السبخة . إن هذا التفسير تفرضه إعادة قراءة الرواية الخاصة بالمختار إذ ورد فيها ذكر تلك السكة ، كما جاء فيها أن يزيد بن الحارث بن

--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 269 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 269 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 270 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 270 - 271 . ( 5 ) المرجع نفسه ، 269 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 269 - 270 كان الحجاج قائدا كبيرا للرجال وقائدا حربيا حقيقيا ، في مثل هذا الموقف المأسوي . ( 7 ) المرجع نفسه ، ص 270 .