هشام جعيط

257

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

كل حال سبب تسميتها بجبانة الصيداويين في مصادر كثيرة « 1 » ؟ ولكن خطة أسد كانت تقع في الجنوب الغربي بصورة مبدئية اعتمادا للتقسيم الأولي فتبقى القضية قائمة بذاتها . تسليط الأضواء على المركز سبق لنا أن رأينا أن مصعبا أمر بوضع الدروب لقطع كل اتصال بين المركز والخطط . ولربما تمّ الاحتفاظ بها لأن المصادر اللاحقة تحدثت عنها « 2 » . تعني كلمة درب ( دروب في الجمع ) أوّلا « سكة قليلة العرض » تمتد من 8 إلى 9 أمتار تقريبا « 3 » . فتجاوز عرضها عرض الزقاق ، وكان دون عرض السكة وأضيفت فيما بعد أبواب بأطراف الدروب « 4 » فاتسعت دلالة هذه الكلمة وأصبحت تدل على الأبواب الكبرى التي تقفل السكك « 5 » . والمعتقد أنه وقع تجهيز بعض السكك أو كلها ، التي تفتح على المركز بأبواب ، وذلك بداية من عصر مصعب . كان الأمر كذلك في العصر التالي بالنسبة لأسواق الكوفة بعد أن بنيت وهيئت « 6 » ، وشملت العملية بغداد وغيرها من المدن ، فأصبحت الأبواب تغلق عند الطلب ، ولا سيما عند المغرب ، واتجه التطوّر نحو استحواذ الخواص على هذه السكك . هنا كانت محاولة لفرض رقابة تامة سلّطتها الدولة على الاتصالات بين المركز العمومي والحزام السكني ، وربما تكلل مسعاها بالنجاح أو أنها لم توفق في ذلك . لقد جسّمت المدينة المستديرة هذه الإرادة التعسفية تجسيما قاسيا كاد أن يكون مرضيا لأن المرور لم يجر أبدا إلا عبر مركّبات الأبواب « 7 » وكلما تمادت المدينة الإسلامية في البناء ، تحصنت وانغلقت ، وكبتت الطاقة البشرية في بروج داخلية . ومن العجيب أن الروح الثورة بالكوفة - التي يمكن مقارنتها بما كان عليه الوضع في باريس خلال القرن التاسع عشر - كانت مصدرا لمثل هذه الاختيارات . ونستمد فوائد أخرى من عصر مصعب ؛ يقول أبو مخنف « 8 » : « ثم أن مصعبا أمر أصحابه فاقتربوا من القصر . فجاء عباد بن الحصين الحبطي حتى نزل عند مسجد جهينة .

--> ( 1 ) كتاب الأغاني ، ج 16 ، ص 5 . ( 2 ) الطبري ، ج 8 ، ص 561 وما بعدها . ليس مؤكدا أنها كانت موجودة خلال العصر الأموي ، راجع في كل حال : أنساب الأشراف ، ج 3 ، ص 243 . ( 3 ) كان لدروب بغداد عرض يساوي 16 ذراعا : كتاب البلدان ، ص 242 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 242 . ( 5 ) لسان العرب ، مادة « درب » . ( 6 ) أغلقت دروب الأسواق خلال ثورة زيد : الطبري ، ج 7 ، ص 182 . ( 7 ) الخطيب في كتاب Lassner ، ص 49 وما بعدها . انظر لاحقا أيضا . ( 8 ) الطبري ، ج 6 ، ص 105 .