هشام جعيط
254
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
والمرجح أن ذلك قد تم انطلاقا من الفرات . ولا شك أن السواقي أقيمت في عصر متأخر خلال حكم الأمويين ، وهو تأخير له مغزاه أيضا ويطفح بالغفلة وقلة الوعي . وقد تحدثت عن مثل هذا المصادر بخصوص العصر الأول في بغداد . لقد وجب تذكير المنصور بضرورة إمداد المدينة بالماء بصورة منتظمة « 1 » . ولعل كثرة الماء المستساغ هنا وهناك ، في الكوفة كما في بغداد ، قد أغنى عن التفكير في الأمر ، خلافا للوضع الذي ساد البصرة « 2 » . الواقع لا محالة أن الهدف الرئيسي للحصار الذي ضربه مصعب على المختار ، يتمثل في القضاء على كل مقاومة تصدر عن المختار ، فعمل على تعطيشه . هناك شهادات ملموسة عجيبة في قوتها وتلونها ؛ لقد وزّع مصعب رجاله على النقط الاستراتيجية في الكوفة لقطع « الماء والغذاء » عن المحاصرين في القصر . إنه حصار مدينة عزلاء بلا أسوار ، وقد تم في بادىء الأمر حصار القصر عن بعد ، أي في السبخة وجبانة السبيع أو الصائديين حسب المصادر ، وفي الكناسة وفي جبانة كندة « 3 » : « ولربما رأيت خيل عبيد اللّه ( ابن الحر ) قد أخذت السقاء والسقائين فيضربون ، وإنما كانوا يأتونهم بالماء إنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد ، وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ، ولا نكاية لهم ، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر . واجترأ عليهم الناس ، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء ، قد التحفت عليه ، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة ، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها ، فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه ، وإن ذلك بلغ لمصعب وأصحابه ، فقال له المهلب وكان مجربا : اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليتهم وأبنائهم ، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه » « 4 » . وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر . ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغيّر طعمه فيشربوا منه ، فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم « 5 » . إنه نص من نوع المنتخبات الأدبية يتضمن عالما قائما بذاته تلتقطه أبصارنا ، عالم المرأة الاجتماعي والبشري . وهو لا يختلف كثيرا عن العصور القريبة منا . كانت النسوة مقنعات
--> ( 1 ) الخطيب في كتاب Lassner ، ص 58 . ( 2 ) Massignon , « Explication du plan de Basra » , Opera Minora , III , p . 62 - 64 . ؛ كذلك أشار شارل بيلا إلى مشكلة الماء في أطروحته : . Ch . Pellat , art . « Basra » , E . I . / 2 ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 104 - 105 . ( 4 ) وقال البلاذري أن الأمر وقع : أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 261 . ( 5 ) الطبري ، ج 6 ، ص 105 .