هشام جعيط
236
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الخارطة يحسن بنا عبور الكوفة كما وصفها أبو مخنف ، لّما روى ثورة المختار ( 66 ه ) . ستكون جولة غامضة تمدنا ببعض العلامات ، لكنها تسمح خاصة بإحياء الجو الذي كان سائدا في ذلك العصر . كانت حركة المختار وشيكة ، فاحتاط الأمير وعجّل بالأحداث . فوجّه صاحب الشرطة « حول السوق » « 1 » الذي أرسل بدوره ابنه برفقة الجند إلى الكناسة « 2 » . ولا ننس أن قائدي الثورة كانا المختار نفسه المقيم بالمركز كما هو معلوم إلى جانب الجامع ، وكان من ثقيف فتقع إذن قطيعته في الشمال ، وقد عوّل بالخصوص على جيران ثقيف من همدان . والرأس الثاني هو الأشتر النخعي من مذحج المقيمة في جنوب المساحة المركزية التي ينبغي عبورها لكي يتصل الجمعان ، وقد تحدد موقع القائد الثاني ومذحج بالاعتماد على خارطة سيف . طلب صاحب الشرطة أياس بن مضارب من الأمير أن يعين في كل « جبّانة عظيمة » رجلا ثقة برفقة رجال مسلحين . وهذا يعني : أ ) أن هناك تطابقا وحتى تماثلا في دور الكناسة والجبانات . ب ) أن الجبانة كانت مكانا للتجمع داخل الخطط ، وموقعا استراتيجيا بالنسبة لقبيلة أو مجموعة من القبائل . ثم أورد أبو مخنف قائمة الأشراف الذين توجهوا إلى الجبانات الرئيسة لكي يصدوا أفراد قبائلهم عن الخروج ويحتلوا الشوارع الكبرى في آن واحد ، منعا لكل تنقل . وقد ورد ذكر الجبانات الآتية : السبيع ( همدان ) وبشر ( خثعم ) وكندة وسالم ( قيس ) والصائديين ( أسد ؟ ) ومراد ( مراد ومذحج ) « 3 » . وذكرت جبانة الصائديين وجبانة كندة أيضا في الرواية المتعلقة بثورة حجر ، على أنهما متجاورتان « 4 » . والملاحظ أيضا أن جبانة مراد ورد ذكرها منذ عصر علي « 5 » ولذا يبدو أننا بإزاء أقدم الجبانات وأهمها ، والمهم أنها ملك للقبائل اليمنية ،
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 18 . كان الوالي ابن مطيع ، وقد ولاه ابن الزبير . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 18 ، وأنساب الأشراف . ج 5 ، ص 224 . سوف نعتمد الطبري باستمرار في هذا الصدد ، ج 6 المطابق للجزء الثاني ص 600 وما بعدها من طبعة ليدن . وقد جارت روايته كثيرا رواية أبي مخنف وجاءت مفصلة ؛ وكتاب البلاذري أوضح وأوجز وأقل جزئيات . إن مخطوطة برلين المنسوبة إلى أبي مخنف وعنوانها : كتاب خبر المختار وابن زياد ، مزيفة وليس لها أهمية . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 18 . ( 4 ) الطبري ، ج 5 ، ص 261 . ( 5 ) انظر لاحقا .