هشام جعيط
233
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وبقيت همدان وكندة وثقيف وبجيلة ومذحج والأزد وجهينة وتميم وأسد ، في مواقعها الأولى قطعا كما ذكرها سيف ومهما قال ماسينيون « 1 » . وبما ان الأعشار - القبائل أقامت ، بموجب القرعة ، بأماكن قررتها الصدفة ، وبما أن الاختلال العددي الواضح بينهما ظهر من وقت مبكر جدا « 2 » ، وجب أن يعاد النظر في هيكلة التنظيم العسكري الجبائي وعقلنته : فظهرت الأسباع التي أقامها عمر « 3 » ، وحوّرها علي ، والتي بقيت حتى ولاية زياد . ولم يكن الأمر متعلقا « بمناطق عسكرية » بل بوحدات لتجنيد المقاتلة بإمرة رؤساء ولّتهم السلطة وبوحدات لتوزيع العطاء الذي يسلّم للقادة جملة ، وكانوا يسلّمونه بدورهم إلى العرفاء « 4 » . الواضح أن الانطلاقة لم تبدأ من المعطيات المكانية ، يعني من توزيع الخطط التي كثيرا ما كانت تتحاور فيها قبائل لا يربط بينها ماض مشترك في سكنها السابق وكانت متباعدة جدا ، في عملية إنشاء الأسباع . فحصل التجميع ، بمقتضى علاقات النسب . كان المقصود من ذلك المحافظة على التلاحم في التجنيد والقتال وبالتالي فإن السبع لم يحقق جوارا أو أي تقارب مكاني إلا في بعض الأحيان وفي بعض الأماكن : ربما في الجبّانات أو خارج الكوفة في « نقط التجمع » بالنسبة للكوفة « 5 » . على أن مؤثرات هذا الأمر على جغرافيا الخطط لم تكن في رأينا منعدمة ، ولا سيما أن القبائل الكبرى قد عملت أحيانا على جذب قبائل صغرى قريبة النسب وضعيفة العدد ، فترجم الانتساب إلى السبع ذاته عن طريق الاندماج في الخطة مكانيا . ولنذكر على سبيل المثال كندة وحضرموت « 6 » وهمدان وحمير « 7 » وتميم وهوازن . كانت الخطة تعني تضامنا بشريا واعيا حيا يستمر فيه ويدوم الكيان القبلي القديم ، وذلك باعتماد القبيلة في واقع الأمر ، لكن السبع كان تصورا مؤسساتيا حافظ لا محالة على صلات الدم الأكثر اتساعا . وفي عهد زياد أدخل الربع « 8 » تبسيطات أقوى مما كان للخارطة القبلية لأسباب سياسية ، فكان يجاور بين مجموعة قبلية متشاحنة ( تميم وهمدان وأيضا كندة
--> ( 1 ) Massignon , art . cit . , p . 44 . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 48 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 48 ؛ . Massignon , p . 44 لكن المؤكد أن السبع السابع الناقص لا يخصّ طيئا ، إنه يخصّ بكرا . ( 4 ) المرجع نفسه ، ج 4 ، ص 49 . ( 5 ) Massignon , p . 39 ؛ وراجع لاحقا . ( 6 ) الطبري ، ج 4 ، ص 132 . ( 7 ) المرجع نفسه ، ج 6 ، ص 247 . ( 8 ) الطبري ، ج 4 ، ص 48 وج 5 ، ص 268 .