هشام جعيط

229

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

أن دار حكيم كانت داخل السوق « 1 » . كما نتساءل عما إذا لم تكن توجد بالساحة العمومية كل أو أكثر ما ورد بقائمة الثلاثين مسكنا للأشراف والمتمتعة بتسمية الدار بصفتها اقطاعا شخصيا يقع خارج الخطط ؟ وبذلك لا يكون زياد هو الذي اتجه هذا الاتجاه بل إن عمرا هو الذي شرع فيه بصفة طفيفة وتوسع فيه عثمان ، ثم علي وزياد أخيرا . ويكون سمح هذا الوالي ( زياد ) باستكمال تضييق المركز من جهة الشمال والغرب والجنوب بالخصوص - حيث كان موضع الأسواق بقي كما هو في الأكثر - ، لكن هذا التضييق لم يعمل أيضا على ابتلاع الرحبة كلها وهو أمر لا مراء فيه « 2 » . ونوافق البلاذري حين يقول إنه جرى تصدير ظاهرة المركز إلى المواضع الخالية في الخطط . كما نوافق على أن الشكل المعماري للإقامة الخاصة قد تجسم بشدة في الجو الذي أشاعه زياد ، ولعله تشكل كما تشكل عنصر آخر لا يقل صبغة أساسية عنه ، نعني الحمام الذي سيظهر في المستقبل « 3 » . هناك تضييق وتعمير الفراغات ، وتكثيف العمران ، يضاف إلى نقل بعض القبائل : كل ذلك اكتسى أبعادا مهمة قطعا . لم يبدأ كل شيء في ولاية زياد كما تدل على ذلك أسماء المكان « 4 » علما أنها ترجع إلى أشخاص برزوا في تاريخ المدينة ، سواء كان في فتراته الخاملة أو النيّرة ، بداية من خلافة علي حتى نهاية ثورة ابن الزبير ( 37 - 73 ه ) - أي خلال جيل « 5 » ، وسوف نعود إلى هذه النقطة الهامة . لا مفر من التأكيد على ما قام به زياد من عمل حاسم وسريع إحقاقا للحق ، إنما ينبغي إدماجه في مرحلة تاريخية تميزت بالاستمرار في البناء الذاتي للمدينة . ولا يمكن أن ننسب قطعا لزياد المناهج الكبرى المفتوحة ، كما قيل دون أية حجة « 6 » . ولذا فإن العمل الكبير الذي قام به زياد بقي مرتبطا أصلا بتشييد المسجد والقصر ، وقد تمادى في حركة تمصير الكوفة في مجموعها ، لصالح الأشراف خاصة ، وبذلك يكون قد استمر في العمل بسياسة عثمان .

--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 281 : كانت هذه الدار تقع عند « أصحاب الأنماط » ( صناع السجاجيد ) . ( 2 ) الطبري ، ج 5 ، ص 268 : حيث أمر زياد بنقل حجر ورفاقه على النوق ، إلى الرحبة . ( 3 ) لا شك أن زيادا لم ينشئ الحمامات ، ولم يشجع عليها إلا أنه أذن في بنائها وفرض تضييقات على ذلك : أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 223 ؛ فتوح البلدان ، ص 348 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 274 - 287 : اعتمد الكلام الخاص بالكوفة على دراسة في أسماء المكان . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 277 - 287 : تحدث البلاذري فعلا عن زقاق عمرو بن حريث ص 275 ، وباب فيل مولى زياد . لكن أسماء كثيرة تشير إما إلى مشاركين في الفتح ، وإما حول ذلك إلى أهالي الحيرة وإياد وعاش كثيرون حتى عصر الحجاج وبعده : أعين وشبث وابن محرز وعمر بن سعد ، ولم يكونوا من أتباع علي أو زياد . كانوا أناسا وسموا المدينة بحضورهم البارز أو المتستر ، وكانوا من الأشراف . ( 6 ) Reitemeyer , p . 58 .