هشام جعيط
228
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
يحتمل أن ذلك كان على سبيل الهبة الاستثنائية لبعض الصحابة . وقد تضارب في القول بهذا الخصوص البلاذري واليعقوبي عندما ذكرا قائمة الدور . يقول البلاذري : « وبنى فيها عمرو بن حريث المخزومي بناء ، وكان زياد يستخلفه على الكوفة إذا شخص إلى البصرة ثم بنى العمال فيها فضيقوا رحابها وأفنيتها » « 1 » . كان المقصود بالذات الكوفة عامة لا المركز بصورة خاصة ، ويظهر أن الأمر لم يكن يعدو تمليك الأراضي العراء بصفة متفرقة ، وفارق الطرق والرحاب - الكثيرة كما هو معلوم - التي كانت توسع المجموعة السكنية . الواقع أن قول البلاذري يكتسي مدلولا آخر بمقارنته وتعليقه بما ورد في كتب أخرى ، سواء كانت روايات أبي مخنف « 2 » أم قائمة اليعقوبي ، وهو يفيد في فهم البقية . توجد دار عمرو بن حريث فعلا في الوسط تماما « 3 » ، غير بعيدة عن القصر ، ومن المرجح أنها كانت تقع في الرحبة . كان ابن حريث من أكبر أغنياء الكوفة ، وكان قرشيا مقربا من السلطة ، وكان بالفعل يساعد زيادا ثم ابنه عبيد اللّه فليس مستبعدا أن يصير قدوة بخصوص البناء في المركز . لكن ما ينبغي التدليل عليه أنه كان أول من فعل ذلك ، وأن الوليد بن عقبة الذي كان واليا في خلافة عثمان ، لم ينتزع هذا الامتياز قبله ، فضلا عن أن الدور التي روى أنها كانت تقع في المركز العمومي ، قرب المسجد والقصر ، أو في الرحبة والأسواق ، كانت مملوكة لصفوة المسلمين بالمعنى الواسع أكثر مما كانت للعمال أنفسهم . وبذلك نجد اليعقوبي يتحدث عن دار عبد اللّه بن مسعود وطلحة بن عبيد اللّه وعمرو بن حريث « حول المسجد » ، وغير بعيد عنه توجد دار سلمان بن ربيعة الباهلي والمسيب بن نجبة وهو أحد قادة حركة التوابين « 4 » . ويبدو أن خالد بن عرفطة أحد حلفاء سعد بن أبي وقاص وقد كان من كبار القادة في فتح العراق كان يملك مع سعد نفسه دارا في هذا المركز « 5 » . هذه عودة إلى الماضي . لكن روي أن دار المختار بن أبي عبيد كانت أيضا ملاصقة لحائط المسجد « 6 » . ويمكن التساؤل بخصوص دار الأشعث بن قيس ، لكن الثابت
--> ( 1 ) فتوح البلدان ، ص 275 - 276 . ( 2 ) انظر لاحقا . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 19 يروى عن أبي مخنف أنها تقع في « وسط السوق » لا في الرحبة . ( 4 ) كتاب البلدان ، ص 310 ؛ بخصوص المسيب بن نجبة ، راجع الطبري ، ج 5 ، ص 552 و 553 و 562 و 584 و 590 و 593 و 594 و 596 و 600 . ( 5 ) كتاب البلدان ، ص 310 ؛ وأنساب الأشراف ج 5 ، ص 237 - 276 . والطبري ، ج 6 ، ص 47 و 61 وج 7 ، ص 417 : ذكر دار عمر بن سعد ، التي لا بد أنها ورثت عن سعد . ( 6 ) الطبري ، ج 3 ، ص 569 ؛ ولا سيما معجم البلدان الذي ذكر الأمر بوضوح ، ج 4 ، ص 493 .