هشام جعيط
222
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
تبقى من القصر يطابق القصر الأموي أصلا ، أي ما أنجزه زياد . قام زياد بعمل جليل عظيم شمل عناصر ثلاثة هي الحزام الخارجي والجدار الداخلي وعدة بنايات . لا يقل قياس الحزام الخارجي عن 20 ، 168 مترا ، للضلع الشمالي الجنوبي ، و 68 ، 169 مترا للضلع الشرقي الغربي « 1 » . كان بناء من آجر ، ولم يتجاوز سمكه 4 أمتار ، وقد أحيط ب 23 برجا ، علما أن عبيد اللّه بن زياد تحصن فيه مع الأشراف ، وأن المختار واجه فيه الحصار . كان حزاما تحصنت وراءه السلطة . فقام بدور رئيسي لصد الانتفاضات . وهناك خصائص مماثلة في الحزام الداخلي منها شكله المربع ومتانة بنائه وقدرته على الصمود . لقد أثبت قصر الكوفة ذاته كحصن منيع ، في حين أن قصر البصرة وتمّ تخريبه وهدمه بسرعة ثم أهمله الولاة ، مع أنه لم يكن موجودا في بداية الأمر أو يكاد ، وزياد نفسه هو الذي بناه من لبن ، فما سبب ذلك ؟ « 2 » لقد تطابقت هذه الأسوار المتجبرة ومصير الكوفة ، مجهضة بدون تردد كل الثورات ، وأصبحت بمثابة الشخص المركزي في تاريخ مدينة الكوفة . وفي حين أن القصر الأول - قصر سعد - تشكل من وحدة واحدة ، انتشر القصر الأموي كمجموعة مركّبة وهو يشتمل على عدة وحدات وبكلام أدق ثلاث مجموعات طولية يشكل مستطيلها المركزي نواة معلمية ، ولم نقدر إلا على الجزم بأن المادة التي أعيد استخدامها تنتمي إلى العصر الأموي الأول « 3 » . وحتى في هذا المستوى ، لا يمكننا حسم الشيء الذي يعود إلى العصر الأول والشيء الذي يستند إلى العصر الثاني . لكن في مقدورنا تكوين فكرة دقيقة نسبيا عما كان عليه القصر الأموي . يتميّز هذا القصر في الوقت نفسه بانسجام هيئته - ولا سيما في المركز - وبما كان له من مظهر هو عبارة عن متاهة ملتوية . نجد حجرات كبرى للاستقبال ( أبهاء ) وإيوانات ألحقت بها أجنحة ، ودورا ، وغرفا مربعة للسكن ، وغرفا طولية ومعابر ، ومداخل ، تشكل معظم هيكليته المعمارية « 4 » . وتستقطب الانتباه القاعة الكبرى بالمركز ، وكذلك صفوف الأعمدة التي تتصل بها وتنفتح على حجرة مقببة . إنها لتشابهات عجيبة تلك التي تظهر بين إيوان القصر ، ما هو موجود بالاخيضر ، بين الفرع الجنوبي وقصر المشتى « 5 » . ويسود الرأي أن أسلوب الحيرة هو الذي احتل المرتبة الأولى ، في حين أن بعض العناصر من العصر العباسي الأول مثل الترصيف العمودي
--> ( 1 ) Ibid . , p . 38 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 344 . ( 3 ) M . A . Mustafa , Art . cit . , p . 53 . ( 4 ) Ibid . , pp . 41 - 48 , 58 . ( 5 ) Ibid . , p . 42 .