هشام جعيط
215
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
لم يشكل وحدة زمنية كبيرة لأن الأجهزة الأساسية لم تتغير ولأن المناخ الحضاري نفسه كان يحيط بالمدينة . لكن أدخل العباسيون الأوائل تغييرات جزئية كثيرة تبرر لا محالة الانفصام الذي أكده علم الآثار بالنسبة للقصر ، على الرغم من استحالة تقديم تاريخ دقيق يحدد بداية الطور العباسي « 1 » . أصبحت الكوفة بعد هذه التغييرات ، مجموعة مدن أميرية تحيط بحاضرة مدنية مركزية كبرى : مدينة ابن هبيرة ، والهاشمية شرقا ، والرصافة إلى الجنوب الغربي ، والكوفة الحقيقية بالمركز « 2 » ، في حين أن الكوفة بقيت وحدة مدنية إلى نهاية العصر الأموي . ومن المعلوم أن أوائل المؤرخين الذين تحدثوا عن الكوفة ، ألفوا كتبهم في العصر العباسي ، سواء كان سيف أو أبو مخنف « 3 » ، أو اليعقوبي والبلاذري بعد ذلك . وقد داخلتنا الحيرة مما كتبه المؤلفان الأولان « 4 » إذ كانا مخضرمين عاشا العصرين ، واعتمدا أحيانا التغييرات الطارئة على الطوبوغرافيا وذكرا ذلك « 5 » ، وشعورنا مع ذلك أنهما يصفان الكوفة العباسية « 6 » بعد أن اقتصرا على زيادة بعض الاحتياطات حتى يكون الأمر مقبولا . يبقى الموضوع صعبا إلى أقصى حد لو رمنا التوفيق بين ما ذكرته هذه المصادر الأربعة الرئيسة ، نعني سيفا والتخطيط الأولي الذي عرضه علينا ، وأبا مخنف الذي يرسم إطارا
--> ( 1 ) يمكن تحديد نهاية العصر العباسي الأول بسنة 200 ه . تقريبا : : Mustafa , art . cit . , p . 63 شيد القصر العباسي بعد هدم القصر الأموي . ( 2 ) الطبري ، ج 7 ، ص 614 وما بعدها ؛ البلاذري ، ص 285 . ( 3 ) مات أبو مخنف في 157 ه . ويرى ماسينيون ، art . cit . , p . 45 ، أن روايات أبي مخنف تشتمل على أسماء مكان صبغتها إيرانية ( مثلا لحّام جرير ) . وتؤرخ هذه الصبغة إلى ما بعد عام 132 ه . « كتب أبو مخنف رواية الأحداث بعد سنة 132 ه ، بعد أن نقح أسماء المكان » . ( 4 ) اتهم ريتميير سيفا بأنه أسقط على الماضي معلومات من عصره الذي هو العصر العباسي : ouvr . cit . , pp . 34 - 35 ؛ راجع أيضا : . Wellhausen , Skizzen . . . VI , pp . 3 - 7 ( 5 ) مثلا : « تركناه قد نزل عند مسجد القصّاص ، يعنون مسجد أبي داود في وادعة ، وكان يعتاده رجال أهل ذلك الزمان يقصّون فيه » . أبو مخنف في تاريخ الطبري ، ج 6 ، ص 48 . يقصد عصر المختار بقوله : « في ذلك الزمان » . ( 6 ) أشار أبو مخنف إلى سكة البريد خلال ثورة زيد حيث قال إنها كانت تمر قرب ديار أرحب وشاكر ، وعشائر همدان التي أقامت في الشمال : الطبري ، ج 7 ، ص 186 . فهل كان يعني سكة البريد المتجهة إلى دمشق أم تلك التي وجهتها بغداد ؟ أما البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 284 ، فيحدد موضع السكة بالكنيسة القديمة الراجعة لأم خالد القسري ، وكأن الأمر يتعلق بفتح سكة جديدة . يمكن القول إن أبا مخنف يشير إلى السكة العباسية . ثم لماذا يستخدم كثيرا عبارة « دخل الكوفة » أو « خرج من الكوفة » ؟ كما ورد عند الطبري مثلا ، ج 6 ، 29 : « حتى يدخل الكوفة من قبل الكناسة » ، كأن الكوفة محاطة بحزام وكأن الكناسة كانت تقع خارج هذا الحزام في عصر المختار .