هشام جعيط

210

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

التمديني كان حاسما . فحيثما استقرّ في أرض خلاء خواء « 1 » برز المركز وصار فيما بعد « المدينة » ذاتها خصوصا بالمعنى الحديث « 2 » . وكان اليعقوبي صريحا في هذه النقطة حيث بيّن أن الرسول جمع حوله « الناس » الذين كانوا قبل ذلك « متفرّقين » . فأصبحت المساكن متلاصقة بحيث أصبح ذلك مدينة « 3 » أي مكانا يتّسم بتلاصق الأبنية وبكثافة السكن ، ومفهوم « الناس » هنا يعني المهاجرين أولا وبالذات « 4 » . إلا أنا نجد أيضا عناصر من الأنصار تطوعوا للانتقال تقربا من الرسول « 5 » وكانت النقطة المحورية لهذا المركز الجديد ، المسجد وداره الخاصة وقد تشكل منهما مركّب متلاصق « 6 » هو مكان التجمع الدائم والمقر الديني وقلب السلطة كلما زادت بروزا ونموا ، حتى أصبح المركز روح هذا التجمع البشري الذي كان مائعا في السابق . لقد حدد هذا المركّب بالخصوص نموذجا لكل الحضارة الإسلامية . إنه نموذج المسجد أولا ، الذي سيخطط طبق المثال النبوي مع بعض التغييرات ، لكن المهم أيضا بالنسبة للكوفة أنه سيلعب دورا نموذجيا للتجاور بين مقر الحكم ( الذي عرف بدار الإمارة بعد ذلك ) والمسجد ، أي مكان العبادة وتجمع المؤمنين . والملاحظ أن الأمر يتعلق بوحدتين مكانيتين متميزتين لكنهما متلاصقتان ، وبوظيفتين مختلفتين لكنهما متصلتان اتصالا عميقا ، إنما الصّلة في عصر الرسول كانت أشد قوة . وأما في الكوفة والبصرة ودمشق ، فقد صار التمييز بين القصر والمسجد أكثر وضوحا . لقد استقر مركز الحكم في عهد الرسول بالمسجد ذاته وكانت الدار متوجهة إلى الحياة الخاصة للنبي بينما كان الحكم بالكوفة يمارس أيضا في المسجد ، لكن بصفة أهم في القصر حيث تتجمع الأموال والقوى . وهكذا تواجد بالكوفة العامل السياسي والديني في نوع من جدلية التواصل والانفصال في حين أن الوحدة كانت تامة زمن الرسول ، مع تفوق المسجد على الدار . وعلى كل فإن التسلسل من « المدينة » إلى الكوفة يظهر بوضوح كبير ، ويبدو هكذا أن الاستناد إلى عصر الإنشاء « بالمدينة » أكثر بلاغة وقطعا أكثر وضوحا ، من الاستشهاد بالمثال البابلي - الجديد الذي يبرز بصفة خاصة في التحصينات وفي الشعور بالقوة والرفعة ، وليس أبدا في عنصر التصور الأساسي . وعلى هذا ، لا يندرج تأثير « المدينة » في المدينة الإسلامية خارج بلاد العرب وبالتالي في

--> ( 1 ) يستعمل السمهودي كلمة « مربد » : وفاء ، ج 1 ، ص 322 وما بعدها . ( 2 ) اليعقوبي ، البلدان ، ص 313 ؛ . F . Buhl , art . cit . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 313 - 314 . ( 4 ) وفاء ، ج 1 ، ص 734 وج 2 ص 717 . ( 5 ) أو من المسجد كما فعل بنو سلمة الذين رحلوا بطلب من الرسول : وفاء ، ج 1 ، ص 203 . ( 6 ) السيرة ص 336 - 338 : كان المسكن من طابقين : فتوح البلدان ، ص 20 ؛ وفاء ، ج 1 ، ص 335 - 340 ؛ . M . Watt , II , p . 13 .