هشام جعيط

21

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

إما من عرب الضاحية ( الحيرة ) ، وإما جندوا من القبائل المتحالفة : وهي قبائل عجل وأياد وضبيعة . وانتهت القضية بتقتيل حقيقي لهؤلاء العرب والاستيلاء على أمغيشيا « 1 » ، وكانت أليس قلعة لها « 2 » . كما وقع الاستيلاء على الحيرة بالعنف نفسه . فقد ضرب الحصار على حصون القصر الأبيض وقصر العدسيين ، وقصر بني مازن ، وقصر ابن بقيلة حيث كان يوجد عمرو بن عبد المسيح « 3 » الحامي الرئيسي للحيرة . ونشبت المعركة ودخل الجيش البيوت والأديرة ، وبدأ التقتيل ، فطلب سكان القصور الصلح ، لما كانت عليه المدينة والأديرة من عجز عن الدفاع ، وقبلوا بدفع جزية تبلغ 190 ألف درهم ، ووعدوا ، فوق ذلك بإرشاد الجيوش الإسلامية . وتجدد المشهد نفسه تقريبا في كل مكان : الشروع في التقتيل في المدينة الملاصقة للحصن ، واستسلام المدافعين عن الحصن بعد التفاوض على إبرام اتفاق . وكان يتم أحيانا إبرام معاهدة صلح بعد حصول اقتحام واضح لا جدال فيه : حدث ذلك في بانقيا وعين التمر « 4 » . ويروي الطبري الأمور وكأنه يريد إطلاعنا على القواعد الفقهية التي اعتمدها الفتح في البداية وقد يتعلق الأمر أيضا بإسقاط على الماضي . ويظهر خالد في هذه الروايات بمظهر أول شخص ينظم الفتح ويكتشف ويمارس قواعد تنظيمه الأساسية : مبدأ الصلح ، والعهد ، وبقاء الفلاحين في أراضيهم ، والتمييز بين العمل والثغر « 5 » . وهكذا أنهي فتح نصف السواد ( حتى دجلة ) بعد إنجاز ضربة خاطفة ، ساعد عليها غياب الفرس من الساحة غيابا كاد يكون تاما ؛ ويمكن القول إن خالدا تعهد الفتح وكأنه وقع احتلال نهائي . روي أنه بقي سنة في الحيرة يقوم بدور الوالي الحقيقي على المنطقة الموجودة بين الفرات ودجلة « 6 » . وإن هو انطلق شمالا وقاد حملة قصيرة ، فذلك لكي ينجد أحد ضباطه المسمى عياض بن غنم الذي كان في وضع صعب . وجدّ في الأثناء يوم

--> ( 1 ) أثبتت الحفريات التي تمت في بابل عام 1883 ، وجود Ummischigedia ولعلها تكون هي بذاتها أمغيشيا : . Wellhausen Prolegomena , p . 41 ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 358 . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 364 . ( 4 ) تحدث أبو يوسف عن الاستيلاء على هذه القرى عنوة ، كما تحدث أيضا عن عهد : كتاب الخراج ، ص 145 ، كان يرمي إلى وعظ الأمراء عن واجب احترام المعاهدات التي أبرمها سابقوهم . ( 5 ) يبدو أن خالدا ولى عمالا : فاتجه جرير إلى بانقيا وبسما أو باروسما ، واتجه بشير بن الخصاصية إلى بانبوره ، وسويد إلى نستار أو عقر ، الخ : الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 369 . أما الثغور فكانت في حكم أربعة أمراء منهم المثنى والقعقاع بن عمرو المشهور . ( 6 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 372 .