هشام جعيط

203

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الخيمة المقدسة سواء أكانت متنقلة أم ثابتة « 1 » ، أو كانت تعني المعبد المقدس كما في الكعبة أو الأسرة خاصة الحاكمة بمعناها الواسع . لكن هذه الدلالة لا يمكن اعتبارها دلّا على واقع القرية الجديد ، نظرا للتفوق الساحق الذي كان لتصورات شمال بلاد العرب . الواقع أن العرب في القرن الأول قد أسقطوا مفهوم القرية على عالم العجم . مع استنقاصهم له ، واستعانوا بمصطلحات مغايرة تماما هي المصر في العراق ، والفسطاط في مصر ، والقيروان في أفريقية ، للدلالة على التجمعات العربية المحضة خارج بلاد العرب ، التي كانت تعبر عن واقع جديد بالنسبة لما كان عندهم ، ولما وجدوه ، وبالنظر لبنى تصوراتهم . وكانوا يتمسكون في كل مرة بلبس بين الاسم النكرة والاسم العلم ، كما هو الأمر بالنسبة للمدينة . الحقيقة أن القرآن بقي الوثيقة العربية الأولية الوحيدة التي تمكنت من الارتفاع إلى مستوى المفهوم والتعميم في جميع الأمور ، ليس بالنظر للواقع المدني فحسب . كان القرآن يعمم دائما الخصوصي ، وهذا ما يكسبه قيمة وتأثيرا دائما كنص مقدس كوني الاتجاه : فهو يسمو عن الملموس بكل عليائه . ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للفكر العربي العادي في العصر الجاهلي الذي كان خاضعا للخصوصي . ينبغي أن يضاف إلى ذلك دون شك بروز أمرين مستجدّين بخصوص ظاهرة المدينة في فترة الفتوحات ، يتمثلان في الاتجاه العسكري الواسع المدى وادماج الرحّل . لقد كانت المدينة لحد ذلك العصر في نظر العرب ، زراعية وتجارية ودينية ومدنية بالتالي ، حتى ولو كانت قاعدة للدولة في اليمن . والمحتمل أنّ يثرب لما كسبت هذا النهج الهجومي كان ذلك مدعاة لأن تسمى ب « المدينة » . وكانت من جهة أخرى المدينة بالمفهوم الحديث في الجاهلية تواجه بقوة عالم الرحل ، رغم التلاحمات ، أي عالم العرب أو الأعراب كما جاء في القرآن نفسه الذي ميز في آية واحدة أهل المدينة والأعراب « 2 » . وقد انفتحت المدينة « للعرب » بعملية الفتح ، إلى درجة أن الأمصار صممت لصالحهم أساسا ، وهذا ما يفسر ازدواجية المعنى وصعوبة الاحتفاظ بكلمة « قرية » التي امتزجت مدة طويلة في الماضي بانفصام وجب التغلب عليه . الميراث المدني ترى ، ما الذي انتقل إلى الكوفة من التجارب المدنية المتعددة التي جرت في بلاد العرب ؟ يجب التذكير هنا بأن الصفوة الحاكمة كانت من الحجاز الذي توفر لديه التقليد

--> ( 1 ) كما هو شأن سندار بالنسبة لبكر ، غير بعيد من الكوفة العتيدة : . Art . « Ka'ba » , E . I . / 2 ( 2 ) القرآن ، سورة التوبة ، 101 .