هشام جعيط

198

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تمتعت الظاهرة المدنية بأقدمية محترمة في بلاد العرب بأنواعها ، ولا سيما في القطبين القصيين نعني الشام واليمن ، فإنها تعود في جملتها إلى القرن الخامس قبل الميلاد « 1 » ، إلا أنها ظاهرة ثانوية بالنظر للترحل . وهو يظهر على كل بمثابة بروز متأخر بالنظر لكبريات حضارات الشرق والبحر المتوسط التي كانت تحد عالمه . هذا وأن الترحل نفسه لا يمكن وصفه بالمقابل المطلق لحياة الاستقرار والمدينة ، لأنه استكمل نظامه بمرور الزمان ولأن القبائل كانت متموضعة موطّنة « 2 » . بعد رفع هذا اللبس يعود بنا السؤال إلى الإشكال نفسه دائما : إلى أي حد كانت مدن بلاد العرب مدنا حقيقية ؟ ما هي مقومات تحديد التمدن عند العرب ؟ ما هو حضور المدينة ووزنها في الوجود التاريخي العربي ؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة يتضمن وجوبا بعدي المكان والزمان ، أي أن يؤخذ بعين الاعتبار تحديد المواضع كما في مختلف العصور التاريخية . لقد عرف عالم بلاد العرب من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرنين الثالث والرابع بعده ، عرف تمدنا ممتازا بقطبيه الشمالي والجنوبي ، أي الشام واليمن ، تتخللهما بالوسط بلاد العرب الصحراوية . لقد عاش وسط بلاد العرب من القرن الرابع إلى القرن السادس ، نموا شاملا بالمعنى الواسع ، وتهيكل ونظّم قدراته البشرية ، وحدد لنفسه لغة وثقافة وهوية وأفرز مدنا خاصة به فيما كانت مدن الشمال والجنوب تندثر أو تترك مكانها لنوع آخر من المدن حيث حدثت انهيارات وكذلك تحولات وتنقلات وإنشاءات . كانت هناك في المرحلة الأولى مأرب وصرواح وقرنو ( تعرف اليوم بمعين ) ونشان ( تعرف اليوم بالسوداء ) وتمنع وظفار وشبوه جنوبا « 3 » ، وتيماء وديدان وبصرى والبتراء وتدمر والحجر شمالا . أما في المرحلة الثانية فهناك مكة والطائف ويثرب « 4 » والفاو « 5 » والقطيف « 6 » ، لكن أيضا صنعاء « 7 » ونجران وعدن ،

--> ( 1 ) C . Robin , « La Civilisation de L'Arabie me ? ridionale avant L'Islam » , in Arabie du Sud , I , pp . 208 - 210 ; G . Garbini , « L'art et la pense ? e chez les anciens ye ? me ? nites » , ibid . , p . 228 , ; Ran Zadok , art . cit . , p . 50 ; M . Rodinson , Mahomet , p . 46 . ( 2 ) راجع البكري ، معجم ما استعجم ، ج 1 ، بخصوص مواطن القبائل . ( 3 ) C . Robin , art . cit . , pp . 208 - 212 . ( 4 ) تأكد ذكر يثرب في كتابة مسمارية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد ( يثرب ) ، لكنها لم تقم بدور تاريخي إلا في نسق المرحلة الثانية . . . ( 5 ) عبد الرحمن الأنصاري ، قرية الفاو ، الرياض ، 1982 . ( 6 ) في البحرين غير بعيد من الدارين . وهجر : الطبري ج 3 ، ص 304 : ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ، ص 378 ، وفيه ما يدعو إلى التفكير أن القطيف لم تصبح مدينة إلا في عصر متأخر لكنها كانت إقليما أصلا . ولعلها تقهقرت في الواقع في العصر الإسلامي ، بسبب ارتداد قسم من بكر ثم عادت إلى البروز في عصر متأخر جدا . وكانت لها صلات وثيقة بالحيرة . ( 7 ) أنشأ السبئيون صنعاء في القرن الأول ق . م . وكانت عاصمتهم الثانية : راجع . C . Robin , art . cit . , p . 212 -