هشام جعيط
186
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
السابقين للعرب ، الذين بقوا في عين المكان في حمى تضاريس الجبال ، أو أنهم دحروا إلى الزاوية الجنوبية الغربية من بلاد العرب . أن لغتهم « الحميرية » أو اليمنية القديمة ، مع أنها قريبة من العربية ، فهي تختلف عنها « 1 » كما تختلف تماما كتابتهم عن الكتابة العربية المشتقة من النبطية أي فعلا من عالم الشمال ، مهد العرب الأوائل . وهناك تفرع ثنائي في النقوش اليمنية ، ضمن القبيلة نفسها كقبيلة همدان ، يفصل بين الأحمور والعرب ، أو بين الهجر والعرب « 2 » . وإذا كان التمييز الثاني يحيل إلى صنف العيش ، فإن التمييز الأول لعله قادر على إدخال معنى عرقي . من المؤكد جدا أن القبائل العربية سلطت ضغطا منذ وقت طويل وبصورة متزايدة خلال القرنين السابقين للإسلام ، وذلك لتعريب اليمن « 3 » ثقافيا ولغويا . كما أنه تم بصورة عكسية وعلى صعيد الشعور الانتمائي ، طبع هذه القبائل نفسها بالطابع اليمني . إن التاريخ النوعي لليمن ، وخصوصيته الحية ، وقوة النزاعات التي نشبت مع قيس في العصر الأموي « 4 » ، كل ذلك يعود إلى الماضي البعيد جدا ويمكن تعليله بالفارق العرقي الأصيل . لكن من الصعب الاحتفاظ بهذه الفرضية ، نظرا للقرابة اللغوية الدالة على أصل مشترك لكنه بعيد ، بمعنى أنه تفريع انطلق من الرحم الشامي المسمى ساميا أو أمرهيا والذي سوف نسميه ع ر ب كما سيأتي بيانه . إن الفارق بين اليمن والعرب ناتج على الأرجح عن تطور طويل منفصل . على أنه من المحتمل أن هناك زادا أصليا متبقيا في الجانب الغربي من اليمن ، بتلك الأرض المجهولة التي لم تخلف لنا أية نقوش . يعني ذلك أن ما تبقى وجد عند الأمم التي لم تساهم في التاريخ اليمني لكونها مادة بشرية متبقية مسترقّة ، خاضعة ، متوحشة « 5 » . لا شك أن كل ما سبق ذكره هو من قبيل النقاش النظري حيث أنه لا يستند
--> ( 1 ) . C . Contini - Rossini , Chrestomathia arabica meridionalis epigraphia , Rome , 1931 لكن المعجم الجديد الخاص باليمنية القديمة والعربية الذي نشره محمد الغول يدل على ما بين اللغتين من شديد القرابة . ( 2 ) الحديثي ، أهل اليمن في صدر الإسلام ، ص 67 . ( 3 ) مذحج وقبائل أخرى ، لا همدان . فقد استقرت قديما وطبعها الطابع البدوي لحد بعيد . أرادت مذحج طرد الفرس في حين عقدت همدان حلفا معهم ، وهذا تمايز دال : راجع الرازي ، تاريخ مدينة صنعاء ، ص 37 - 39 . ( 4 ) H . Djai ? t , art . cit . , pp . 171 - 179 . ( 5 ) ياقوت ، المعجم ، ج 5 ، ص 442 ، يحدد مواطن جرهم الأولى في « تهائم اليمن » ، ويمكن أن نستنتج أيضا هذا الأمر من عدد الرقيق الضخم ، ومن استرقاق جموع كاملة داخل المجتمع ، ومن التمييز بين الفلاحين العاملين والرقيق الذين يشكلون فئة معينة بين السكان حتى ظهور الإسلام . إنه أمر يمكن مقارنته بنظام مدينة اسبارطة العتيقة والكلاسيكية . راجع بهذا الخصوص محمد حميد اللّه ، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي ، القاهرة ، 1956 ، ص 151 ، حيث ذكر أن « الرقيق » يشكلون فئة متميزة من « العمال » . والملاحظ أن ذا الكلاع كان يملك رقيقا يبلغ عددهم 12000 ، راجع الإصابة ، ج 2 ، ص 428 . ومن البديهي أنه يمكن أن يكون مصدر هذه الظاهرة ناتجا عن تطور داخلي .