هشام جعيط

174

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

فنجد الرحبة تقابل الأغورا الهلينية التي حافظ عليها الحضور البيزنطي . وهكذا نصل إلى فكرة الالتحام المعماري ، إلى لغة مشتركة نجدها في الحجر أو الآجر نشأت في العالم القديم كله . وعندئذ ، إذا كان نموذج الدار العربية اللاحقة بابلي الأصل ، فيمكن القول أنه هليني لأنه غطى إلى حد بعيد المساحة الهلينستية . مثله مثل القوس الذي انتقل بعد الإسكندر ، من بلاد الرافدين إلى قلب العالم اليوناني . وكالآجر ذاته الذي عرف طريقه إلى الشام ، فيما الشام بلد الحجر أصلا وأساسا « 1 » . فارس وروما وبيزنطة الحقيقة الواضحة التي ينبغي التذكير بها دائما ، أن الانساق الحضرية تتبادل التأثير وأن ليس هناك نسق مدني بحت . فهل انتظام المخطط ظاهرة شرقية أم ظاهرة هلينية ، أو على الأقرب مجرد خاصية لكل مدينة تنشأ دفعة واحدة ؟ سؤالان ينبغي طرحهما قبل أن تصبح الكوفة إمّا حاضرة شرقية وإما حاضرة هلينية . نجد بمصر القديمة مخططات مشبكة فيها شوارع رئيسة تقطعها شوارع ثانوية . ومن الممكن أن هذا الرسم هاجر إلى الشام ، وتواجد مع رسوم أخرى ، واستمر في النشاط بمكان آخر ، ثم رجع إلى مصادره بعد أن دخله التغيير . ومن الوجهة المعمارية ، « إذا كانت فكرة ال Polis استمدت شيئا من تجمع الدور حول القصور المسّينية » « 2 » ، فلعل انتظامها اللاحق صدر عن اتصالات بعالم الأناضول أجرتها اليونان . لكنّ أثينا مثل روما ، احتفظت بتشكل متراكم فوضوي استمدته من أصولها « 3 » . وهو يتميز من مظهر الحواضر الهلينية التي تغذت من مهد المؤثرات الأناضولية . فمن المناسب ألا نبالغ في عمل هيبوداموس الرائد الذي لم يعمل إلا على استكمال تقليد معماري وجده في المكان نفسه ، حتى في عمله الممتاز الذي هو Prie ? ne « 4 » . وما يلفت النظر أن الإغريق والرومان لم يبنوا مدنهم النموذجية إلا في المستعمرات ، تلك الحواضر المنتظمة المنسقة « 5 » . ذلك إما لأنهم تمكنوا في الخارج من استيعاب أسهل للتقاليد الأجنبية ، وإما لأن صورة المعسكر كانت عالقة بهم فيما يخص الرومان ، وإما لأن كل خلق جديد

--> ( 1 ) The Cambridge . . . , VI , pp . 558 ff . ( 2 ) Luigi Paretti , History of Mankind , III , 1 , p . 177 . ( 3 ) Mumford , p . 258 . ( 4 ) Le ? on Homo , Ouvr . cit . , p . 29 ؛ يرى أريسطو أن هيبوداموس هو الذي أبدع تقسيم المدن . Aristote , . Politique , II , chap . 8 ( 5 ) Ibid . , pp . 26 ff .