هشام جعيط
171
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الإغريق والمقدونيين والشاميين واليهود والبابليين المنقولين . وقد توفرت لها الأجهزة الأساسية الخاصة بالمدينة الأغريقية Polis في إطار المملكة الهلينية ، وهي فوق ذلك تجسد وترمز أكثر من أية مدينة أخرى ، إلى مفهوم المدينة كنقطة لارتكاز أية هيمنة أجنبية . وذلك لأنها منشأة شبه معزولة في محيط شرقي صميم ، باستثناء السوس التي كانت بعيدة عن المركز ، وبابل في عصر أنطيوكوس ابيفانوس . ومع أن بلاد الرافدين كانت إحدى الولايات المركزية في إمبراطورية السلوقيين ، ومع أنها كانت مقرا لسلوقية ذاتها ، فإنها لم تقبل التأثير الهليني بالقوة نفسها التي كانت له في الشام . لكن لا مجال لنكران بقائه مدة طويلة ، أو نكران آثاره في عصر البارثيين . وقد اعتبر البحث التاريخي الغربي مدة طويلة أن الهلينية المنتقلة إلى الشرق حتى خراسان كانت حركة « تحضيرية » قوية أخرجت آسيا الصغرى من همجيتها كما أخرجت الشرق من وضعه البالي . إن الأغراض العزيزة على الإمبريالية الأوروبية في القرن التاسع عشر تكاد توجد كلها عند مؤرخين من صنف سانفورد Sanford « 1 » وجونز بالخصوص ، وقد أسقطت على ماض يبعد عشرين قرنا . وهي الهلينية كمبدأ ثقافي فتي حديث متفوق ، وفكرة مثاقفة الأهالي ، واستكمال مؤسسة البوليس ( المدينة ) ، الخ . . . « 2 » . وبذلك تكون هذه الهلينية معادلة للحضارة الأوروبية المنتصرة . وقد اتسم قول روستوقتسيف Rostovtzeff بهدوء أكبر ، مع أنه لم يستخدم مثل سابقيه إلا المصادر اليونانية والرومانية وهو ما ندّدت به بيغولفسكايا N . Pigulevskaja « 3 » . ومع أن روستوقتسيف اطلع على نتائج حفريات Doura - Europos ، فهو يعترف بالجهل الذي نتخبط فيه إزاء حركتي انتشار الهلينية والتمدين ، وقد أقحم بشدة التمييز بين المدينة الشرقية والمدينة اليونانية ، معترفا بعد هذا بوجود تشابهات بينهما لا يمكن تفسيرها « 4 » . إن هذا التحفظ الأخير أساسي وهو يخفّف من حدة المعارضة بين الشرق والهلينية . ففي مستوى الطبوغرافيا بداية حيث توجد هنا وهناك الغاية التنظيمية نفسها ، ثم في مستوى المؤسسات حيث يسلّم بدرجة معينة من الاستقلال للمدينة الشرقية ، وقد بات الأمر مقبولا عادة
--> - Pauly - Wissowa ، فلم يشر إلى سلوقية إلا بصورة طفيفة . ( 1 ) Sanford , The Mediterranean World in Ancient Times , N . Y . , 1938 . ( 2 ) The Greek City . , pp . 32 - 37 , 39 - 43 . ( 3 ) Ibid . , p . 20 . ( 4 ) Ouvr . Cit . , II , pp . 1045 - 1052 .