هشام جعيط
162
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
النموذج الخاص ببلاد الرافدين في بغداد فضلا عن ذلك ، في عين المكان ، بغداد المزدحمة بالبشر والمحاطة بسورين مضاعفين ، والخاضعة لحراسة مشددة فرضها قهر الخليفة ثم السلطان . لكن ما يهمنا حقا هو إبراز نمطين مثاليين للمدينة ، انطلاقا من التجربة المصرية وتجربة بلاد الرافدين . الأولى كنمط المدينة المنفتحة الهندسية المتحررة في مظهرها ، البسيطة في تخطيطها ، والأخرى كنمط المدينة المغلقة المتشعبة الملتوية « 1 » . لكن ألا تخفي هذه الرؤية التي تجسمت على هذا النحو في موقف مؤلفين من الغرب ، جانبا من « الثنائية » ، وتمجيدا للهلينية يعتمد المركزية العرقية بصورة مقنعة وبواسطة تمجيد الحضارة المصرية ؟ على أن هذا لا يمنعنا من المقارنة الموحية بين الكوفة الهندسية الأولى الحرة المتفتحة ، وبين بغداد ربيبة الكوفة إلى حد بعيد ، وحتى الكوفة العباسية الحبيسة في أسوارها والتي تسلط عليها القمع والارهاب . وبذلك ينبغي الرجوع كثيرا إلى الوراء ، أي إلى أقدم طبقات التقليد المدني ، لا أن نقابل فقط بين الهلينية والاستشراق ( المقصود هنا المبدأ الشرقي لا علم الاستشراق ) ، كما يقع في أغلب الأحوال . بابل كانت بابل التجسيم الأعلى لنموذج بلاد الرافدين ، فقد أجملت مجمل المكاسب الحضارية للشرق المركزي في صفائه ، إن صح القول ، فبدت حلقة حاسمة للبحث عن التسلسلات . ينبغي استنطاق بابل في ذاتها وفي ما يدور في فلكها أيضا ، أي سبار ونبور وأرك ، وبعيدا كركوك ، وحتى المدن الأشورية مثل أشور وخرسباد « 2 » . على أن بابل الطبيعية ذاتها تبقى المحور المشع ضمن هذه الكوكبة . وفي العصر التاريخي الذي ظهر خلاله نبوخذ نصّر ، يتجه التفكير إليها عندما يدور الحديث عن الحاضرة الشرقية الأصلية . كانت مربعة الشكل - مثل الكوفة والبصرة على الأقرب - واسعة الشوارع المرتبة . وكانت تستخدم اللبن والآجر « 3 » ، كانت أيضا المدينة - المعبد ، حيث يقوم سجيل بدور أساسي ، لها أراضيها الخاصة ومخازن حبوبها ( لنذكر دار الرزق بالكوفة ) ، وقاعدتها العقارية التي لم تكن بابل
--> ( 1 ) روج وولي Wooley لفكرة أن الحاضرة في الشرق الأوسط اليوم ، في نواتها التقليدية ، تعكس بنية المدينة القديمة في بلاد الرافدين . وقد شاعت عند غيره ، منهم اوبنهايم . ولم يعمل فيرث إلا على اقتباسها لافراغ المدينة العربية من كل أصالة خلاقة . وبالنسبة لإرنست بلوخ Ernst Bloch ، يمثل المعمار الفرعوني أصل ونمط البعد الهندسي في نقاوته الذي يصل إلى الكمال في الأهرام ، وهو ينعته ب « يوطبيا بلّور الموت » ويعارضه بال « يوطبيا الغوطية » التي تمثل شجرة الحياة : . Le Principe Espe ? rance , trad . fr . , II , Paris , 1982 , pp . 332 - 335 . ( 2 ) Pigulevskaja , pp . 31 - 33 , 39 - 47 ; Roztovtzeff , I , pp . 78 - 79 . ( 3 ) Altheim , Weltgeschichte Asiens , I , p . 153 ; M Rutten , pp . 34 ff .