هشام جعيط

151

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

حاكمة ، أي أنها تكون مؤقتة ومفتعلة بالضرورة « 1 » . فماذا يكون مصير المصر مثل الكوفة والبصرة والفسطاط والقيروان ، من رؤية الأمور هذه ؟ أمدينة عفوية أم مدينة منشأة « لغرض استراتيجي » فقط ، لا لسعادة المجموعة ؟ هكذا ، وبقدر ما كانت هذه الأمصار مجرد معسكرات في بداية الأمر ، و « مخيما » ، تطورت في مرحلة ثانية إلى مدن تملك الصفات الأساسية للحاضرة ، فلا يمكن لهذا التطور أن يكون ثمرة لإرادة أصلية بل نتيجة للمحيط والظروف أي للعفوية . لم يقصد إنشاء مدينة معينة لذاتها ، بل المعسكر هو المقصود بالذات « 2 » . وقد صلّب جورج مارسي وجهة النظر التي كان أبداها في مقاله ، ضمن رسالة وجهها إلى پوتي Pauty « 3 » حيث يتساءل « هل من الممكن الكلام على إنشاء عندما تنشأ المدينة عن معسكر . . . ؟ هناك مستوطن عسكري سابق : لكن ليس المعسكر مدينة وليست الخيام دورا . وأضاف قائلا : « إن هذه المقرات العسكرية التي تجمع حول قائد العمليات الإقليمية مصالح الحامية والمنشآت شبه الدائمة لا يمكنها ، بأية حال ، تمثيل إرادة أصلية لارساء قواعد مدينة » « 4 » . وزاد قوله : « هناك آخر الأمر . . . رباطات ومعسكرات وحاميات « أنشئت » قرب المدن القديمة . كما نجد أحياء « منشأة » يقيم فيها الأمراء . وقد انبثقت عنها تجمعات سكنية تكونت من الاستمرار في تعمير الاحياء التي تولدت حولها . وتميزت دون منازع بطابعها العفوي » « 5 » . ومهما كان الأمر ، وسواء أكانت المدن منشأة أم عفوية ، فإن العمل التمديني الاسلامي محكوم عليه مسبقا ، مع بعض التخفيفات عند الأخوين مارسي « 6 » ، وبصورة فظة

--> ( 1 ) . Georges Marc ? ais , art . cit . , p . 519 لكن المشكل مطروق هنا مع تحفظات ؛ راجع بالخصوص : Pauty , . art . cit . , pp . 58 - 63 . وقد أجمل Grunebaum على أحسن وجه وجهة النظر هذه في : The Structure of the muslim town in Essays . . . , p . 144 . ( 2 ) Pauty , pp . 60 , 61 , 74 . ( 3 ) Ibid . , p . 61 . ( 4 ) Ibid . , p . 61 . ( 5 ) Ibid . , p . 64 . ( 6 ) لا ننس أن مقال W . Marc ? ais المعروف وعنوانه « L'Islamisme et la vie urbaine » ، الذي كان في الأصل بحثا مؤرخا في 1928 ، وأعيد نشره في . Articles et Confe ? rences , pp . 59 - 67 . ، هو الذي انطلق في البحث في هذا الاتجاه . كانت نظرته دقيقة ذكية بالنسبة لذلك الوقت وبالأحرى رصينة . وقد سجل « المفارقة » الواردة في نجاح التمصير الاسلامي ، والجهد الخلاق وكونهما حدثا بمساعدة مجموعة بشرية كانت من الرحل أصلا ، وقد حاول تفسير هذه الظاهرة بالتأطير الذي حصل بفضل العناصر المستقرة من الحجاز كما بالمثل الأعلى الجماعي للاسلام . وسيعود الاستشراق اللاحق كله إلى هذه الفكرة الأخيرة منسقا إياها ، كما جرى العود إلى استخدام -