هشام جعيط

135

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

سنجد قطائع كبرى وقليلة العدد عند بجيلة « 1 » وكثيرا من القطائع الصغرى عند تميم ، وقطائع متوسطة عند مذحج وهمدان ؟ إذا خضع جميعهم لمبدأ الهيكلة الطولية ، في شكل شرائط ، مع تحديد مسبق لعرض القطيعة ، فمن المعقول أن تحتل القبائل الكثيرة العشائر ، أوسع الخطط ( خطط الشرق والغرب ) ولعل المواقع المفتوحة من جهة أيضا ، حيث كان يتيسر التوسع الجانبي . ولا بد أن طول خطط العشائر بالخصوص كان متنوعا ، وقد بقي غير محدد ربما بسبب تنوع العشائر . وبما أن بجيلة تفرعت إلى عشائر قليلة ، فقد يكون من نصيبها ست أو سبع قطائع ضخمة ، وستحافظ هذه القبيلة أكثر من غيرها على نسق طرقها ( وكثيرا ما ورد ذكره في الروايات السياسية اللاحقة ) . وخلافا لذلك ، لقد استقرت تميم في خطة عريضة لكي تكون اقتطعت قطائع قليلة الطول وفي إمكانها تصفيف أربع قطائع جنبا لجنب ، في حين أنها لو استقرت شمالا ، فلن تتمكن إلا من تصفيف قطيعتين قطيعتين . هذا ولم تكن كل عشائر تميم حاضرة بالكوفة ، ولا كل الذين شاركوا في وقعة القادسية ، ولا سيما بنو حنظلة الذين كانت عشائرهم كثيرة . فمنذ أن جرى التحول إلى المدائن ، اختاروا الإقامة بالبصرة « 2 » . بقيت زيد مناة ومنها سعد ، وتفريعاتها الكبيرة بصفة مذهلة إذ تحوي في الجملة خمس عشرة عشيرة على أقل تقدير . ثمّ إن خطة تميم تشتمل على محارب . كلّ هذا يحفزنا على قبول تقسيم قصير للقطائع ( 200 متر طولا فقط ) ، أي قبول تراكم معين ، وذلك يفسر أنه لم يكن لتميم جبانة معروفة ، مما يبرر تنقلهم إلى غرب الكوفة في بداية العصر الأموي « 3 » . إن هذه الجولة في قضايا التعمير ترمي إلى تسليط الضوء على البنية الطوبوغرافية لمحيط الإقامة . يزيد ذلك من تشبثنا بفكرة أن توزيع خطط القبائل لم يتم صدفة ولا بواسطة قانون القرعة القديم ، بل هو تعبير وكشف لمنطق كان سيئا أحيانا . أما تخطيط القطائع فكان يخضع لقاعدة صلبة ، بخصوص تحديد العرض وحسب ، مثله في ذلك مثل نسق المناهج ، فارضا تشكيلا وبنية ومظهرا عاما . إنه التشكيل الطولي ، تشكيل البدو لصفوف الخيام ، الذي انتقل إلى الكوفة وتكيف مع الكثافة البشرية ، وانضغط على نفسه في المجال الضيق ، فكان في آخر الأمر تنظيما بديعا . على أن هناك نقاطا هي محل شك بخصوص هذه النتائج . فمثلا ليس ثابتا لدينا أن الزّقاق كان دائما الخط القاسم داخل القطيعة ، أو أنه كان كذلك أبدا . ففي وضعية مثل

--> ( 1 ) هذا ما أكده اليعقوبي بالنسبة لبجيلة : كتاب البلدان ، ص 310 . والملاحظ أن أحمس الكوفة انفصلت عن أكثر بجيلة ، من الوجوه كلها . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 590 ؛ صالح العلي ، مرجع مذكور ، ص 86 . ( 3 ) نظرا لكثرة عددهم ، فقد هاجروا من الشرق إلى الغرب والجنوب الغربي مع ضبة . وقد ضايقت السبخة والفرات تطور المنطقة الشرقية في حين أن الغرب ولا سيما الجنوب الغربي ، تضمن إمكانات أكبر للتوسع .