هشام جعيط
131
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وهي دونها في الذرع والمحال من ورائها وفيما بينها » . كيف يتجسم كل ذلك في الواقع الملموس ؟ لنفرض بداية أن كل طريق قبلية كبرى منطلقة من طرف المساحة المركزية ، كان طولها 4 / 3 كم تقريبا ، فالمسافة من الفرات إلى المسجد الحالي تعادل كيلومترا وربع الكيلو متر . وبما أن منطقة الفيضانات القريبة من الفرات لم تكن مأهولة - وعلى هذا يكون موقع السبخة بهذا المكان - فينبغي حذف قطيعتين إحداهما تقدر ب 250 مترا وتكون للصحن ، والثانية للسبخة ، وبذلك يكون العمق مساويا ل 750 مترا - إذ إن الكوفة في بدايتها لا يمكن إلا أن تكون مربعة الشكل وتماثلية ، كما كانت البصرة مدة طويلة « 1 » ، وكما ستكون المدينة المستديرة التي بناها المنصور للمرة الأولى « 2 » . وعلى هذا ، كان يحيط بكل قبيلة طريقان طويلتان عرضهما 40 ، 21 مترا ، وطولهما 4 / 3 كم وكانت القبيلة تقيم على قطيعة يختلف عرضها بحسب عدد المناهج ( 5 شمالا و 3 شرقا ) . فعلى وجه التدقيق ، لم يكن لخطة همدان مثلا أن تتجاوز عرض 93 مترا في حين أن خطة تميم كان يمكنها أن تبلغ 208 من الأمتار « 3 » . وبالنظر في هذا المثال الأخير فإننا نتصور سكة من الفئة الثانية ( 16 مترا ) تقسم القطيعة قسمين في وسطها ، وتوازي تقريبا المناهج على طول الخطة ، أي
--> - وقد صاغ سيف جملته على النحو التالي : « وبنوا مناهج دونها تحاذي هذه ثم تلاقيها » . حاذى ( جذر ح ذ ى ) تطرح عليها مشكلا صغيرا في فقه اللغة . وهي تعني أصلا ( لسان العرب ، ج 14 ، ص 169 ، 170 ) : « حذا النعل : قطعها على مثال » . ثم يذكر لسان العرب كمرادف آزى وقابل ، وكذلك عند الزبيدي الذي أورد أزى ، ج 10 ، ص 85 . لكن إذا عبرت فكرة الموازاة بوضوح عن مقصودها ، فليس الأمر كذلك بالنسبة لكلمة مقابلة المعبرة عن التواجه . وقد استعمل لسان العرب آزى وإزاء ، ودعمه بفعلين هما حاذى وقابل : ج 14 ، ص 32 . فمن جهة نتبين في الموازاة معنى المجانبة ، لأن المثال الذي يقدمه ابن منظور خاص بشخصين يتماشيان جنبا لجنب . لكنه من جهة أخرى بخصوص إزاء وموازاة ، يقدم أمثلة عن المقابلة التي تتجسم مثلا في مواجهة العدو . لكن عندما تحدّد المعجم العربي بوضوح أكثر بفضل تقدم العلوم ، لم يحتفظ المهندسون إلّا بفكرة المجانبة في الكلمتين . راجع : Serre - Schmidt , Lexique technique franc ? ais - arabe , II , p . 1660 ؛ وكذلك Blache ? re , Chone ? mi , De - nizeau , I , p . 102 ؛ والمعجم الوسيط ، القاهرة 1972 ، ج 2 ، ص 1030 . على أن الأمر يتعلق هنا بتطور في الدلالة من المفروض أن سيفا كان يجهله . والمرجّح إذن أن مؤلّفنا أراد التعبير عن الموازاة بالمعنى المقبول حديثا . لكن شكا طفيفا ما زال قائما بخصوص وضعية عمودية ممكنة . ( 1 ) ياقوت ، معجم البلدان ، ج 1 ، ص 434 . كانت أبعاد البصرة في ولاية خالد القسري ( 105 - 120 ) فرسخين على فرسخين ، أي 12 كيلومترا على 12 كيلومترا . ( 2 ) من حيث تساوي المسافة بالنظر للمركز . ( 3 ) 208 أمتار بالضبط ، نحصل عليها بطرح 40 ، 21 مترا * 3 من 480 مترا ( ضلع الصحن ) ، فتكون النتيجة 416 ، ثم يقسم هذا الرقم على 2 .