هشام جعيط

125

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

يسلك طريقا تتجه إلى الجنوب الغربي « 1 » ، فيصطدم في الصميم بالجدار الشمال الشرقي للمسجد ، ووراءه القبلة ، أي بشمال شرقي يكاد يكون شرقا . ويمكن التساؤل عما إذا كان مربع المركز لا يقع موقع القطر بالنسبة للفرات وكذلك بالنسبة للخطط القبلية ؟ وفي هذه الصورة ، الاتجاه الذي يكون واقعا إلى الشمال على سبيل الافتراض ، يصبح اتجاهه إلى الشرق ، وتكون القبلة غربا ، والشرق شمالا ، والغرب جنوبا . فهل هذا الذي حمل البلاذري على القول إن اليمن ( يعني بجيلة والأزد ) استقرت في اتجاه الشرق ، وقد جاء ذلك الخبر في فتوح البلدان « 2 » ، ورواه كل المؤلفين تقريبا « 3 » ؟ هذا افتراض يصعب اعتماده حقا ، لأن مؤشرات كثيرة جدا وردت في رواية الأحداث التالية تبدو مناقضة له « 4 » . وحسبنا أن نعتمد الفكرة التي تقول إن المحور المركزي الذي تشكلت حوله المدينة في جملتها ، كان يتجه بصفة بارزة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي ، حيث كان الفرات إلى الشرق بصفة واضحة « 5 » ، وقام مقام الحد الوحيد المعرّف للكوفة . وانطلاقا من ذلك ، يمكن أن نتصور مخططا نجوميا ومخططا مربعا تماما على السواء . فمن جهة ، تنتهي الطرق وتنفصل ، تاركة المجال للمساكن ، ثم تتوقف في مكان ما ، ومن مزايا هذا المخطط سد الزوايا الفارغة التي اكتست أهمية نسبية . أما في الافتراض الثاني فإننا سنجد شوارع متوازية فيما بينها ، شاقولية بالنسبة لجوانب الصحن ، أي شكلا يكتسي كمالا هندسيا كبيرا . واعتقادي أن روح النص الذي نعتمده ، تؤيد الصورة الثانية ، بمعنى البنية البسيطة . ونصل إلى حل مشكل الزوايا نصف الحل بفضل العبارة التالية : « فكان هؤلاء ( أي القبائل التي تم تعدادها ) الذين يلون الصحن وسائر الناس بين ذلك ومن وراء ذلك » . فماذا يعني هذا سوى أن الفراغات التي خلفتها الزوايا قد جرى سدها ؟ متى ؟ هل تم الأمر فورا وبصورة عشوائية ، أم بعد مدة من ذلك ، لما تبين أن المخطط الأول غير ملائم ، فوجب تكييفه ؟ ليس الأمر مهمّا الآن ، بل المهم أن المناهج لم تسطر لكل الناس ، وأن المناهج

--> ( 1 ) الجنابي ، خارطة رقم 11 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 275 . ( 3 ) مثلا ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ، ص 491 . ( 4 ) انظر فيما بعد تحاليل للروايات عن ثورة المختار وشبيب . لكن مفهوم أهل اليمن يرتبط بالأزد وبجيلة وخثعم والأنصار وقضاعة وخزاعة ، في رواية أبي مخنف بخصوص ثورة حجر : الطبري ، ج 5 ، ص 261 . لكن ينبغي تحديد موقع الأنصار والأزد وربما خزاعة وقضاعة إلى الشرق والجنوب الشرقي . ( 5 ) من الملاحظ على كل أن البلاذري وياقوت لم يحددا المنطقة الشرقية بصفتها منطقة تجانب الفرات . وحدد ياقوت خلافا لذلك ، في معجم البلدان ، ج 4 ، ص 492 ، موقع ثقيف « بين الماء ودار الامارة » . ولعلّ الفرات اعتبر حدا يقع إلى الشمال الشرقي ، لوجود الجسر وطريق المشرق ، العابرين للنهر .