هشام جعيط
12
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
ومن الثابت أن بعض عناصر هذه القبيلة التي ستقوم بدور رئيس في العشرين سنة التالية ، قد تسربوا إلى منطقة الأبله وتقدموا إلى خوزستان « 1 » . أما قبيلة بكر التي ارتبطت بها عجل وثيق الارتباط ، فقد كانت تترحل في البوادي خارج الطّف . وقد أنيطت مسؤوليات بعهدة بعض شيوخها ، كلفهم بها الفرس ، كما جرى الأمر مع شيخ من بكر ولي على الأبله « 2 » . لكن الملاحظ أنه ظهرت داخل هذه القبيلة استعدادات عدائية تجاه الإمبراطورية الساسانية . كانت هذه القبيلة قبيلة اتصال ومثلث أيضا رأس الرمح للعروبة تجاه العجم . ظهر ذلك خلال معركة ذي قار « 3 » ، ثم أثناء مقدمات الفتح الذي انطلق مع بكر فعلا بقيادة شيخهم المثنّى بن حارثة الشيباني . كانت معركة ذي قار تشكل أول مواجهة بين الفرس والعرب على أرض مكشوفة وتستند أسباب نشوبها إلى تاريخ العلاقات بين الإمبراطورية ومملكة الحيرة ، وهي العلاقات التي بلغت مرحلتها الأخيرة من التدهور . ذلك أنه لكي يقوم بنو شيبان بنجدة آخر المناذرة الذي طارده كسرى ابرويز ، ولكونهم رفضوا تسليم الدروع التي أودعها النعمان عندهم ، فإنهم وافقوا على خوض نزاع كان يبدو غير متكافىء « 4 » . وقد شدت عجل أزرهم بقوة ، وجسّم حنظلة شيخهم روح النضال والتحدي ، أكثر من هانىء بن قبيصة سيد بكر . وما هو ذو دلالة أيضا أن قبيلة أياد التي حاربت مع الفرس ، اقترحت ، حسب المصادر ، خذلان أسيادها لفائدة أبناء جلدتها - وقد تجدد هذا النوع من السلوك في بعض مراحل الفتح العربي . ولقد أشادت أشعار كثيرة بهذا الحدث « 5 » الذي كانت مراحله متعددة . وقد وصفها العرب - ذهل بن شيبان وعجل - كما وصفوا أيامهم المعهودة ، فظهرت أيام قراقر وحنو ، وجبابات ، وذو أجرم ، وغدوان ، وأخيرا المواجهة الحاسمة في بطحاء ذي قار . والأمر المهم الواجب لحظه أن رؤساء الحاميات العربية بقيادة أياس بن قبيصة الطائي « 6 » رافقوا الفرس ومن بينهم شخص بارقي ( من الأزد ) وآخر شيباني من بيت ذي الجدين عهد إليه بقيادة حامية صفوان في الطفّ . ما هي حصيلة هذه الوقعة ؟ هل كانت تبشر في واقع الأمر
--> ( 1 ) نجد عناصر من ربيعة متنصرة في منطقة فارس وأسياف البحر إلى حد زمن علي لكن الأرجح أنهم قاموا بهجرة وحشية : الطبري ، ج 5 ، ص 124 - 125 . ( 2 ) كان من بيت ذي الجدين الشريف الذي أقطع الأبله طعمة : الطبري ، ج 2 ، ص 206 . ( 3 ) راجع ما ذكره عنها ، غولدزيهر . Goldziher , Muhammadanishe , I , p , 104 . ( 4 ) تاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 206 . هذا الاستبقاء لكمية ضخمة من الدروع والأسلحة يفسر قوة بكر العسكرية في أول الفتح : ياقوت ، معجم البلدان ، ط . بيروت ، 1957 ، ج 4 ، ص 293 - 294 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ج 2 ، ص 212 . ( 6 ) خليفة النعمان على رأس الحيرة .