هشام جعيط

116

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

القول يوحي بوقوعه في المساحة المركزية . الآري عبارة عن مرعى عمومي ، بمعنى أن الدولة تملكه وتشرف عليه ، وهو مخصص لخيل الجيش التي هي ملك للدولة لا محالة . وقد روى أنه توفرت 4000 فرس في خلافة عمر ( هل كان بيت المال هو الذي وفرها ؟ ) تأهبا لقتال محتمل . « كان يشتّيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته ، ومن أجل ذلك يسمّي ذلك المكان الآري إلى اليوم ، ويربّعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة ممّا يلي العاقول فسمّته الأعاجم آخر الشاهجان يعنون معلف الأمراء » « 1 » . كان منتجع الكلأ هذا يمتد على بضعة كيلومترات كانت تفصل بين عالمين ، وكانت الكوفة تقع على الوصلة الرابطة بينهما ، هما عالم البر ، المتجه إلى الجنوب والغرب وكان عالما شبه صحراوي ، وعالم الرّيف القريب من الفرات والمتجه شرقا وشمالا . ولا بد أن العاقول كان يقع شمالي الكوفة ، من جهة الفرات ، وخارج محيط المدينة . لكن أين الآري أو مرعى الشتاء ؟ يصعب علينا تصور حشر 4000 فرس في الزاوية الجنوبية الشرقية للمساحة العمومية ، داخل حيّز محدود جدا ترتفع مساحته إلى بضع مئات من الأمتار المربعة . وبمقارنته بالعاقول ، نميل في أوّل وهلة إلى نقله إلى الجنوب الغربي مما يلي دور السكن ، حيث أن المساحة المركزية أحيطت بخطط القبائل من كل جانب ، في اتجاه البادية المترامية حيث ترعى النوق التي شغلت اهتمام عمر كثيرا ، ونحن ما زلنا نشاهدها إلى اليوم . لكن أسبابا متعددة تدفعنا إلى اعتقاد خلاف ذلك : علما أن موضعا محدودا كان سببا في ظهور اسم مكان ، وكان ملاصقا للقصر ، ولم يجاور دور الكوفة مثل العاقول - الذي كان هو أيضا يمتد على مجال ضيق يحده الفرات - ويرجح اليعقوبي بالخصوص رأينا الأخير حول هذه النقطة بجملة أوضح ما تكون حيث يقول : « وكان فضاء عند المسجد » « 2 » . ثم يضيف : « وهو فضاء كانت فيه خيل المسلمين » « 3 » . وإذا ما صدقنا اليعقوبي ، فيبدو أن عمر أقطع نصفه إلى أبي موسى الأشعري والنصف الثاني إلى جماعة من عبس « 4 » . وهذا يعني أن الآري لم يستخدم لفائدة الخيل إلا خلال

--> ( 1 ) الطبري ، التاريخ ، ج 4 ، ص 52 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 310 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 310 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 310 . المراد بالذات عشيرة حذيفة بن اليمان .