هشام جعيط
114
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
احتله باعة الصابون والتمر آنذاك ، كما قال « 1 » . ولا يعني ذلك حتما أن هذا المجال قد احتله الباعة في بداية الأمر . لكن هناك احتمالات وتخمينات في هذا المعنى . أما اليعقوبي فقد ذكر عبارة رئيسة « 2 » أوردها حرفيا حفاظا على ما اكتنفها من لبس : « وجعلت السوق من القصر والمسجد إلى دار الوليد إلى القلّائين إلى دور ثقيف وأشجع » . وما نجهله في هذه المعادلة هو دار الوليد . وباستقراء النصوص ، تكون هذه الدار في قلب سوق القصارين « 3 » ، كعلامة معروفة تكاد تكون استثنائية من حيث موقعها وضمن المساحة المركزية قطعا ، وقد أحاطت بها هذه السوق ، لكنها غير بعيدة عن سوق السراجين « 4 » . وباستثناء هذه الاعتبارات ، فأين يكون موقعها ؟ هل يكون بين المسجد والحدود الشمالية للمساحة ، أم إلى الشرق ، أم إلى الزاوية الشمالية الشرقية ، أم إلى الشمال الغربي ؟ لا يمكننا الاختيار بين هذه المواقع . على أن معرفتنا بأن « دور ثقيف وأشجع » تقع إلى شمال الصحن ، بالاعتماد على قائمة توزيع القبائل المنسوبة إلى سيف ، مع اتجاه إلى الشرق ( ارجع إلى الخارطة ) ، تجعل المشكلة تتمثل في معرفة ما إذا صممت السوق على شكل سوق - شارع حيث تتوالى الاختصاصات ، الواحد تلو الآخر ، أو على شكل مركّب متشعب ينتشر على مجال واسع . وبذلك تشكل العلامات التي وضعها اليعقوبي - وهي المسجد ودار الوليد والقلاؤون وخطط ثقيف - في الصورة الأولى مراحل تقع على الخط نفسه . ونحن نعلم أن السوق الكبيرة ، أو ما سيصبح كذلك تمتد على سكة مركزية طويلة ، وهذه خاصية أساسية تميزت بها حواضر إسلامية عديدة . أما الصورة الثانية التي تكتسي في نظرنا صبغة منطقية أكثر ، فتحدد بعلامات رسمها اليعقوبي وتتمخض عن مجال ممتد مثلث الشكل أو مستطيله . وقد اعتمد ماسينيون هذا الحل بالذات بصورة ضمنية « 5 » ، وترجم قول اليعقوبي كما يلي : a ? partir du Qasr et du Ja ? mi , d'un co ? te ? jusqu'au Da ? r Wali ? d - b - Uqba , de l'autre jusqu'aux Qalla' ? yin , et de l'autre jusqu'aux habitations des Tha - qif et Ashja » . وبما أن الخط الرابط بين المسجد والقصر وثقيف معروف ( اتجاه شمال / شمال شرقي ) ، فإن هناك نقطتين تتعارضان حتما ، الواحدة في الشمال الغربي والثانية في الجنوب الشرقي ،
--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 44 . ( 2 ) كتاب البلدان ، ص 311 . ( 3 ) صارت في العصر العباسي « دار القصارين » : ابن سعد ، الطبقات ، ج 6 ، ص 24 ؛ الطبري ، ج 4 ، ص 532 وج 6 ، ص 89 . ( 4 ) أخبار الدولة العباسية ، ص 260 . ( 5 ) Massignon , op . cit . , p . 49 .