ابن إياس

53

نزهة الامم في العجائب والحكم

ولم يزل هذا الملعب تقصده الأمم ، فإنه لم يكن له نظير ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله . ويقال أن العقيان قد كثرت في أيامه بمصر وأضرب بالناس ، فأحضر الملك الكاهن وسأله عن سبب كثرتها ، فقال : إن إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا وتسجد له . فقال : إن كان يرضيه ذلك ، فأنا أفعله . فقال إن ذلك رضاه فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك ، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب من جوهر أخضر ، وفي منقاره درة معلقة وسروله بأدرك أحمر ، وإقامة على قاعدة من فضة منقوشة ، قد ركبت علي قائمة من زجاج أزرق ، وجعله في أزج - يمين الهيكل وألقي عليه ستور الحرير وجعل يقرب له عجلا أسود [ ق 38 ب ] وبكارة الفراريح وباكورة الفواكه والرياحين . فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود فأجابه الناس ، ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب وعمل له عيدا . فلما تم له أربعون يوما نطق الشيطان من جوفه ، وكان أول من دعاهم إليه أن يبحر له في أنصاف الشهور بالمندل ويرش العتيق التي يؤخذ من روءس الخوابي وعرفهم أنه قد أزال عنهم العقيان وضررها ، وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون . فسر الكاهن لذلك وتوجه إلى أم الملك يعرفها ذلك ، فسارت إلي الهيكل وسمعت كلام العقاب ، فسرها ذلك وأعظمته ، وبلغ ذلك الملك فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه . فسجد له وأقام له سدنة ، وأمر أن يزين بأصناف الزينة ، فكان يقوم بهذا الهيكل ويسجد لتلك الصورة ويسألها عما يريد فتخبره . وعمل من الكيمياء ما لم يعمله أحد من الملوك ، فيقال أنه دفن في صحراء الغرب [ خمسمائة دفين ] « 1 » ويقال أنه عمل على باب مدينة صا عمودا عليه صنم في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة تنظر إليها ، وكان العليل يأتي إلى هذه المرآة وينظر فيها [ ق 39 أ ] - أو ينظر له أحد فيها ، فإن كان يموت من علته تلك رأوه ميتا ، وإن كان يعيش رآه حيا وينظر فيها أيضا للمسافرين فإن رأوه مقبلا بوجهه علموا أنه راجع ، وإن رأوه موليا علموا أنه يتمادى في سفره ، إن كان مريضا أو ميتا رأوه كذلك في المرآة .

--> ( 1 ) وردت على هامش المخطوطة .