ابن إياس

35

نزهة الامم في العجائب والحكم

وقال بعض الحكماء : أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر ، فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها ، ويخبرون بما يكون ، وينذرون بالأمور المستقبلة ، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة . وقال جامع السيرة الناصرية : كنت مع الأمير علم الدين الخازن في العربية ، وقد خرج إليها كاشفا - فلما صليت أنا وهو صلاة الجمعة وعدنا إلي البيت ، قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنه أشيع بأن فتنة كانت بمكة قتل فيها جماعة من الأجناد ، وقتل بها أمير الدمر أمير جندار . فقال له الأمير علم الدين : هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر ؟ . قال : لا . فقال : ويحك ، الناس ما تحضر من منى إلي مكة إلا بعد ثلاثة أيام من عيد النحر ، فكيف صنفتهم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل ؟ . فقال : قد استفيض ذلك بين الناس ، وكان الأمر كما أشيع . وذكر الشيخ شهاب الدين المقريزي رحمه نظير [ ق 23 ب ] ذلك قال : كنت في شهر رمضان سنة إحدي وتسعين وسبعمائة مارا بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة « 1 » فإذا العامة تتحدث بأن الملك الظاهر برقوق خرج من سجنه بالكرك « 2 » واجتمع عليه الناس فضبطت ذلك ، فكان اليوم الذي خرج فيه من السجن ، ومن هذا الباب في الأتفاقيات شيء كثير وغير ذلك . ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة ، وكفاك ما قصه الله تعالى من خبر يوسف عليه السلام ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه ، وشهد شاهد من أهلها عليها بما بين لزوجها منها السوء ، فلم يعاقبها علي ذلك سوي بقوله « اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ » . وحكى الأمير ناصر الدين محمد بن محمد الغرابيلي الكركي عن نفسه أنه منذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه ، وترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة ، ومما لم نزل نسمعه دائما بين الناس أن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه . ومن أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب قلا تجزهم يدخرون عندهم رادا

--> ( 1 ) وردت في الأصل « العشاء » . ( 2 ) بفتح أوله وثانيه وكاف أخرى كلمة عجيبة اسم لقلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة وبحر القلزم والبيت المقدس ، وهي على سن جبل عال تحيط بها أودية إلا من جهة الربض .