ابن إياس

207

نزهة الامم في العجائب والحكم

الثانية - عندما حضر ملك الفرنج مري إلى القاهرة وحصرها ، وقرر على أهلها المال ، واحترقت مدينة الفسطاط ، ونزل على تنيس وأشموم ومنية غمر ، وصاحب أسطول الفرنج في عشرين شونة ، فقتل وأسر وسبى . وفي وزارة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب العاضد ، وصل الفرنج إلى دمياط في شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وخمسمائة ، وهم فيما يزيد على ألف ومائتي مركب . فخرجت العساكر من القاهرة ، وقد بلغت النفقة عليهم زيادة على خمسمائة ألف دينار . قأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوما ، وكانت صعبة شديدة . واتهم في هذه النوبة عدة من أعيان المصريين بممالأة الفرنج ومكاتبتهم ، وقبض عليهم الملك الناصر وقتلهم . فسير صلاح الدين إلي نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام يستنجده ، ويعلمه بأنه لا يمكنه الخروج [ ق 185 ب ] من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه . فجهزوا إليه العساكر شيئا بعد شئ ، وخرج نور الدين من دمشق بنفسه إلى بلاد الفرنج التي بالساحل وأغار عليها واستباحها . وفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة ، رتبت المقاتلة على البرجين وشدت مراكب إلى السلسلة ليقتل عليها ويدافع عن الدخول من بين البرجين ، ورم شعث سور المدينة وسدت ثلمة ، وأتقنت التي بين البرجين فبلغت النفقة على ذلك ألف ألف دينار . واعتبر السور ، فكان قياسه أربعة آلاف وستمائة وثلاثين ذراعا . وفي سنة خمس عشرة وستمائة ، كانت واقعة دمياط العظمى . وكان سبب هذه الواقعة أن الفرنج في سنة أربع عشرة وستمائة تتابعت أمدادهم من رومية الكبرى مقر البابا ومن غيرها من بلاد الفرنج ، وساروا إلي مدينة عكا فاجتمع بها عدة من ملوك الفرنج ، وتعاقدوا على قصد القدس وأخذه من أيدي المسلمين ، فصاروا بعكا في جمع عظيم . وبلغ ذلك الملك أبا بكر بن أيوب [ ق 186 أ ] فخرج من مصر في العساكر إلى الرملة فبرز الفرنج من عكا في جموع عظيمة ، فسار العادل إلى بيسان ، فقصده الفرنج فخافهم لكثرتهم وقلة عسكره ، فأخذ على عقبة فيق يريد دمشق . وكان أهل بيسان وما حولها قد اطمأنوا لنزول السلطان هناك ، فأقاموا في أماكنهم وما هو إلا أن سار السلطان وإذا بالفرنج قد وضعوا السيف في الناس ، ونبهوا البلاد ، فحازوا من أموال المسلمين ما لا يحصى كثرة ، وأخذوا بيسان وبايناس وسائر القرى التي هناك ، وأقاموا