ابن إياس

189

نزهة الامم في العجائب والحكم

المصعدة من الأقصر وهي أول بلدهم ولا يتجاوزها أحد من المسلمين ولا من غيرهم إلا بإذن من صاحب الجبل ومعاملتهم إلى دون الجنادل مع المسلمين بالدراهم والدنانير وما فوق ذلك فلا بيع بينهم ولا شرا ، وإنما هي معارضة بالرقيق والمواشي والجمال والحديد والحبوب ولا يطلقوا لأحد أن يتجاوز أرضهم إلا بإذن الملك صاحب الجبل ومن خالف ذلك كان جزاؤه القتل كاينا من كان من الناس وبهذا الاحتياط نيلته أخبارهم عن سائر الناس من الملوك وغيرهم . وقيل أن حجر السنبادج الذي يحرط به الجوهر والبلخفش وغيره يوجد عندهم في مواضع بأعلى النيل يغطسون عليه وأنه يشتبه عليهم مع الحجارة فيعرفونه بخسه باردا مخالفا للحجارة . ومن هذه القرية قرية تعرف بساى وهي جنادل انصنا وهي كرسي مملكتهم [ ق 168 أ ] ولهم فيها أسقف وبرابى وهي سبع ولايات وفيها النحل والكروم والزيتون والقطن وغير ذلك من الزروع ، وفيها قلعة تعرف باصطون وهي أول الجنادل الثالثة وهي أشد الجنادل صعوبة لأن فيها جبلا معترضا من الشرق إلى الغرب في وسط النيل والماء ينصب منه من ثلاثة أبواب وما أخسر هناك الماء فيسمع له جزير عظيم عجيب المنظر لينحدر الماء من علو الجبل ، فبالت ذلك حجارة مفروشة في وسط النيل على نحو ثلاثة ابراد وآخر ذلك قرية تعرف يستو وهي آخر قرى مريسى وهو آخر عمل النوبة صاحب الجبل وتليها قرية تعرف بقون وما يرى أوسع من النيل هناك فإنه مسيرة خمس مراحل وفيه الجزائر والأنهار تجرى بينها ، وفي تلك الجزاير عمائر حسنة وفيها المواشي والأنعام وهي كثيرة الطير والسمك وأكثر نزهة ملك النوبة صاحب الجبل في هذه الجزاير . وقال من رأى ذلك المكان أنه كثير الأشجار من الجانبين فيه خليجان ضيقة أكثرها بخاص وأن التمساح لا يضر [ ق 168 ب ] هناك وأن بيوتهم يسقفونها بخشب الساج الذي يأتي به النيل في وقت الزيادة اسقالات لا يدرى من أين يأتي به ، وبين دنقلة إلى أول بلاد علوه أكثر مما بينها وبين أسوان وفيها القرى والضياع والجزاير والمواشي والنحل والشجر والزروع والكروم أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام . ومن هذه المواضع طرق إلى سواكن وغيرها من البلاد وقد عبر في ذلك الأماكن من نجا من بنى أمية عند هروبهم من القتل خوفا على أنفسهم وأقاموا هناك وصاروا من حملة أهلها . * * *