ابن إياس

182

نزهة الامم في العجائب والحكم

اهتم بحفر خليج الإسكندرية وذلك في سنة أربع وأربعمائة فحفره كله حفرا محكما فكان مصروف حفره خمسة عشر ألف دينار . وفي سنة اثنين وستين وستمائة أمر الملك الظاهر بيبرس بحفر خليج الإسكندرية ، وسافر بعامة الأمراء والأجناد وباشر حفر هذا الخليج بنفسه ، واستعمل في حفره سائر الأمراء وسائر الناس بالقفف والمساحى إلى أن زالت تلك الرمال التي كانت على الساحل بين النقيديين ، وفم الخليج وغرق هناك مراكب وبنى عليها بالحجارة وبنى هناك مسجدا ، فلما تم له الغرض عاد إلى قلعة الجبل ثم تعطل استمرار جريان الماء فيه في سنة عشر وسبعمائة وذلك في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون فأمر بحفره وندب لذلك الأمير بدر الدين محمد بن كند غرى الوزيري والأمير بكتون وتقدمه المراسيم الشريفة إلى سائر أمراء الدولة باخراج مباشرتهم لاحضار رجال من النواحي الجارية في أقطاعاتهم للعمل في الحفر وكتب أيضا لولاة الأعمال بإجماع الرجال للعمل [ ق 160 ب ] في الحفر من سائر النواحي . فاجتمع من ذلك نحو الأربعين ألف إنسان وذلك في عشرين يوما ووقع العمل في شهر رجب من السنة المذكورة أعلاه وتم حتى كمل العمل فكان قياس الحفر من فم بحر النيل إلى ناحية شبار ثمانية آلاف قصبة حاكمته ، ومن شبار إلى الإسكندرية مثلها وعمقه ست قصبات وعرضه ثمان قصبات . فلما إنتهى العمل ولكن بعد مشقة زائدة من يحفر هذا الخليج لما فرغ العمل من الخليج شرع الأمير بكتون في عمل جسر من ماله دون مال السلطان فإن الناس كانوا في وقت هيجان البحر يقاسوا مشقة عظيمة لغلبة الماء على أراضي السباخ فأقام ثلاثة أشهر حتى بني ضيعا ، ودك أساسه بالحجر والرصاص وإنشاء أيضا خانا تترك فيه المسافرين ووقف علي مصالحه رزقه ولم يزل هذا الخليج فيه الماء بطول السنة جاريا إلي أن دخلت سنة سبعين وسبعمائة فانقطع الماء فيه ، وصار الماء لا يدخل إليه إلا في أيام زيادة ماء النيل فقذ ، وكان ذلك سببا لخراب بساتين الإسكندرية التي كانت على هذا الخليج ولم تزل [ ق 161 أ ] كذلك إلى إن كانت دولة الملك الأشرف برسباى فندب بحفره الأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق فتوجه إلى الإسكندرية وجمع ما قدر عليه من الرجال ، فكان عدتهم ثمانمائة وسبعين رجل ، وابتدأ في حفره من حادي عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى حادي عشر شعبان وذلك تسعين يوما فانتهى عملهم ومشى فيه الماء حتى إنتهى إلى حده من الإسكندرية ، فسر الناس بذلك فلم يقيم إلا قليلا حتى انظم بالرمل وتعذر سلوك المراكب فيه ونزول الماء عنه بسرعة . * * *