ابن إياس

160

نزهة الامم في العجائب والحكم

وقال ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال : سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار ، فتعجب عمرو بن العاص من ذلك ، وقال حتى أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فلما كتب بذلك إليه فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو ابن العاص سله لم أعطاك فيه هذا القدر وهو لا يزرع [ ق 137 ب ] ولا ينتفع فسأل المقوقس عمرو بن العاص عن ذلك ، فقال له المقوقس إذا نجد في كتبنا أن فيه غراس الجنة : فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر بن الخطاب أنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فاقبر فيها من مات من المسلمين ، ولا تبعه شئ فكان أول من قبر فيها من المعافر رجل يقال له « 1 » عامر ، فقيل عمرت . فقال المقوقس لابن العاص ما على هذا هم فقطع لهم الحد الذي بين المبرة وبينهم . وذكر الكندي في كتاب فضائل مصر أن عمرو بن العاص سار في سفح الجبل المقطم ومعه المقوقس ، فقال له : ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام فلو شققنا في أسفله نهرا من النيل وعرسناه نحلا . فقال له المقوقس : وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة وكان منزله المقطم بن مصر بن بيصر بن مصريم بن حام بن نوح عليه السلام ، فلما كانت الليلة التي كلم الله فيها موسى عليه السلام « أوحى إلى الجبال إني مكلم نبيامن أنبيائي على جبل منكم » فسمت الجبال كلها [ ق 138 أ ] وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر فأوحى الله إليه لم فعلت ذلك ، وهو به أعلم . فقال اعظاما وإجلالا لك يا رب . قال فأمر الله سبحانه وتعالى إلى الجبال أن يحويه كل جبل بما فيه من الأشجار فجادله المقطم بكلما عليه من الأشجار حتى بقي كما ترى ، فأوحى الله إليه إني مفوضك على فعلك هذا بغراس الجنة ، فعند ذلك أثر عمرو بن العاص أن يجعل له حد وللمسلمين حدا ، وهذا بقي إلي يومنا هذا عند بركة الحبش يدفن فيه النصارى واليهود . قال : وروى أن موسى عليه السلام لما سجد فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طرا وأن موسى كان يناجى ربه عند الوادي الذي مقطع الحجارة بطرا . قيل أن عيسى ابن مريم عليه السلام مر بسفح المقطم عليه جبة صوف وأمه إلى جانبه فالتفت إليها وقال يا أمه هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

--> ( 1 ) هو عقبة بن عامر الجهني ، كان فقيها علامة قارئا لكتب الله بصيرا بالفرائض فصحا مفوها شاعرا كبير القدر ، ولى إمره مصر لمعاوية ، ثم عزله واغزاه البحر سنة سبع وأربعين .