ابن إياس

152

نزهة الامم في العجائب والحكم

وقال محمد بن عبد الحكم : ما أحسب أن الأهرام بنيت إلا قبل الطوفان لأنها لو بنيت بعد الطوفان لكان علمها عند الناس . وقال محمد بن عبد الحكم أيضا : كان من وراء الأهرام إلى المغرب أربعمائة مدينة سوى القرى من مصر إلى المغرب . وقال أبو الريحانى البيروني « 1 » في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية : أن [ ق 130 ب ] الفرس والمجوس تنكر الطوفان وأن بعض الفرس أقربه ولكنهم قالوا بالشام والمغرب وذلك في زمان طهموت ولكنه لم يعمر العمران كله ولم يتجاوز عقبة حلوان ، ولم يبلغ ممالك الشرق ، وأن أهل المغرب لما أنذر به حكاؤهم بنوا هذه الأهرام بمصر ليدخلوها عند الآفة وأن آثار ماء الطوفان وتأثير الأمواج كانت باقية على نصف الهرمين لم يتجاوزهما . ويقال أنه لما نصب ماء الطوفان لم يوجد تحت الماء قرية عامرة سوى نهاوند ، ووجدت كما هي وأهرام مصر وبرابيها وهي التي بناها هرمس الأول الذي تسميه العرب إدريس وكان قد ألهمه الله تعالى علم النجوم على أن يستنزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علمه فبنى بمصر هذه الأهرام والبرابى وكتب فيها علمه . وقال أبو الصلت الأندلسي وقد ذكر أخلاق أهل مصر وأنهم كان فيهم طائفة من ذوى المعارف والعلوم والنجوم ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنايع البديعة المعجزة كالأهرام والبرابى فإنها [ ق 131 أ ] من الآثار التي حيرت الأذهان وأعجزت الأفكار ، وهذان الهرمان لهما أشراف على أرض مصر وإطلال على بطايحها واصعاد في وجوها وهي أعجب شئ بنى على وجه الأرض وفي ذلك يقول أبو الطيب المتنبي بيتين وهما : أين الذي الهرمان من بنيانه * من قومه من يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن أصحابها * حينا ويدركها الفناء فتتبع وزعم قوم أن الأهرام قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما يميزوا في حياتهم على من قبلهم . ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها ، فنقب أحدا الهرمين بعد جهد شديد فوجد داخله مراقي ومهاوى يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد في أعلاه بيتا ، وفي وسطه حوض من

--> ( 1 ) كان متعدد المصنفات في شتى العلوم .