ابن إياس
147
نزهة الامم في العجائب والحكم
وتخلوا من أهلها فأمر عند ذلك بعمل هذه الأهرام وأن تعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد وبلادها ، وفيها من الطلمسات والعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم وفي سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة وفيها صور الكواكب كلها وكتب فيها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها ، وعلم الطلمسات وعلم الحساب وعلم الهندسة وجميع علومهم مفسرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم . ولما شرع في بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظام ونشر البلاط الهائلة واستخراج [ ق 124 ب ] الرصاص من أرض الغرب واحضار الصخور من ناحية أسوان فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشرقي والغربى والملون وكانت لهم صحايف وعليها كتابة إذا قطع الحجر وتم أحكامه وضعوا عليه تلك الصحايف وضربوه فيعدوا بتلك الضربة قدر مائة سهم ثم يعاودون ذلك مرات حتى يصل الحجر إلى الأهرام وكانوا يمدون البلاطة وتجعلون فيها نقبا بواسطها قطب من الحديد قائما ثم يركبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها ثم يذاب الرصاص ويصب في القطب إلى أن كملت وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا . فأما باب الهرم الشرقي فإنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم . وأما باب الهرم الغربى فإنه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم . وأما الهرم الملوك فإنه من ناحية الجنوب على مقدار مائة ذراع وصل إلى باب الأزج المبنى ويدخل إلى باب الهرم وجعل ارتفاع كل واحد من الأهرام في الهواء مائة [ ق 125 أ ] ذراع ، والذراع الملك بذراعهم وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن وجعل طول كل واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم ثم هندسوها من كل بجانب حتى تحددت أعاليها من أخر طولها على ثلاثمائة ذراع بذراعا ، وكان ابتداء بناءها في طالع سعيد اجتمعوا عليه وخبروه . فلما فرغت من بناءها كسوها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها وعمل لها عيدا ، حضره أهل مملكته بأجمعهم ثم عمل في الهرم الغربى ثلاثين مخزنا من حجارة صوان ملونة ومليئة بالأموال الجمة والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفسية وآلات الحديد الفاخر من السلاح الذي لا يصد والزجاج الذي ينطوى ولا ينكسر وأصناف العقاقير المفردة والسموم القاتلة . وعمل في الهرم الشرقي أصناف القباب الفلكية والكواكب وما عملوه أجداده من التماثيل التي تتقرب بها إلى الكواكب ومصاحبها وكون الكواكب الثانية وما يحدث في أدوارها وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت والأوقات التي ينتظر فيها ما يحدث وكل من [ ق 125 أ ] يلي أرض مصر إلى آخر الزمان وجعل فيها المظاهر التي فيها المياه المدبرة وما أشبه ذلك .