أيوب صبري باشا
252
موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب
أنعم أشرف الأنبياء سيدنا محمد على وائل بن حجر واقتطع له قطعة من الأرض وكلف حضرة معاوية بكتابة وثيقة بملكيتها وأن يرى حدود هذا الموقع ؛ وبعد أن أخذ وائل قطعة الورقة التي سطرت عليها ملكيته للأرض ركب جمله وخرج مع حضرة معاوية إلى الطريق . وقطعا مسافة لا بأس بها ، وكان معاوية ماشيا على قدميه لأنه لا يمتلك جملا ولما اشتدت حرارة الشمس مع مرور الوقت وأصبح المشي فوق التحمل استأذن معاوية من وائل أن يكون رديفه في ركوب الجمل كما جرت العادة بين العرب ، وكان هذا الرجاء قد جرح عظمة وائل وكبره إذ قال له يا معاوية إنك لست جديرا بأن تكون رديفا لواحد من أعاظم العرب وأشرافهم وعندئذ قال له معاوية إذا كان كذلك فأعرني نعليك فإنهما أكثر متانة من نعلى حتى لا تؤذى قدماي فقال له وائل : « يا ابن أبي سفيان ، إنني لست رجلا بخيلا ؛ ولكن الملوك الذين في حوالينا إذا ما سمعوا الخبر سيؤذى كبريائى ، كفى لك شرفا بأن تسير في ظل جملي » ، وبهذا بين له أنه لن يتنازل حتى عن نعليه ، وبعد مدة استولى على عظمة وائل وأرضه جيوش الفقر وتبدلت أحواله بينما أصبح معاوية بن أبي سفيان واليا على معظم سواد الشام ، وسافر ابن حجر إلى الشام ليشتكى تقلبات الزمان الظالمة وتلاقى بمعاوية مضطرا ، فاستقبله معاوية باحترام عظيم وأجلسه على سريره الخاص وسره بأن أجزل له العطاء ولم يتذكر الواقعة السابقة بل أخجل ابن حجر وأومأ له بأن الذين يتخلقون بالأخلاق المحمدية يتصفون بهذه المزايا العظيمة . إذا ما وازنا مقابلة معاوية الجميلة لابن حجر في ضمائرنا نحكم أن أخلاق أشراف القبائل العربية قد تبدلت في عصر السعادة تبدلا جذريا . قد فهم متكبرو الطوائف العربية أن الكبر والعظمة من الصّفات التي توجب غضب رب العزة وأنهم لا شك قد أصلحوا من أخلاقهم في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا أن المرويات الآتية تثبت أنه كلما ابتعد عصر السعادة حدثت تحويلات كبيرة في حال متكبرى العرب وشأنهم .