ابن فارض
9
ديوان ابن فارض
بين الناس إلى الجامع الأزهر ، وهو عريان مكشوف الرأس ، وفي واسطه لباسه ، وأقام في هذه السكرة أياما ، ملقى على ظهره ، مسجى كالميت ، فلما أفاق ، جاء الحراس إليه ومعهم ثيابه ، فوضعوها بين يديه فلم يأخذها ، وبذل الناس لهم فيها ثمنا كبيرا . فمنهم من باع ، ومنهم من امتنع عن بيع نصيبه ، وخلاه عنده تبركا به « 1 » . وروي عنه أيضا انه كان ماشيا في الشارع الأعظم ، وإذا بنائحة تنوح ، وتندب على ميتة في طبقة والنساء يجاوبنها وهي تقول : ستي متي متي حقا أي والله ، حقا حقا فلما سمعها ابن الفارض ، صرخ صرخة عظيمة ، وخرّ مغشيا عليه ، فلما أفاق صار يقول ويردد : نفسي متي متي حقا أي والله حقا حقا وفي أخباره أيضا أنه كان يقيم في شهر رمضان بالحرم لا يخرج إلى السياحة ، ويطوي ويحيي ليله وفي ذلك يقول : في هواكم رمضان عمره ينقضي ما بين أحياء وطي فشد وسط ولده محمد وكذلك فعل المجاورون بالحرم المكي ، وهم في طلب ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك . فخرج الولد ليلا من الحرم لقضاء حاجة فرأى البيت والحرم ودور مكة وجبالها ساجدين لله تعالى ، ورأى أنوارا عظيمة بين السماء والأرض ، فجاء مهرولا إلى والده يخبره بذلك . فصرخ أبوه وقال للمجاورين الواقفين في طلب تلك الليلة : هذا ولدي قد رأى ليلة القدر . فصرخ الناس معه إلى أن علا ضجيجهم بالبكاء والدعاء والصلاة والطواف إلى الصباح وخرج ابن الفارض هائما في أودية مكة ، ولم يدخل الحرم إلى يوم العيد في تلك السنة « 2 » . وما دمنا نعالج شطحات وصوفية ابن الفارض التي ظهرت في شعره ولا سيما
--> « 1 » البحر الفائض في شرح شعر ابن الفارض . شرح حسن البوريني . « 2 » المصدر نفسه .