ابن فارض
4
ديوان ابن فارض
العجم مثل حسن شكله . . . وكان عليه نور وخفر « 1 » ، وجلالة وهيبة ، ومن فهم معاني كلامه ، دلته معرفته على مقامه ، ومن اختصه الله بمحبته وأنسه ، يعرف المحب بين أهل المحبة من جنسه ، وقد جعل الله المحبين خزائن أسراره المصونة ، ومعادن قوله تعالى : * ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه ُ ) * « 2 » . فشاعرنا وشيخنا يدين بالأصل إلى حماة في بلاد الشام ولهذا الأصل أهمية في طبائع الشاعر فأهل الشام لهم في الأدب صولات وجولات وطول باع . يشغلهم الجمال ويتفننون في إظهار روائع الحسن وصور الجمال ونزعتهم إلى الغزل لا مثيل لها بين شعراء العراق ومصر ، وفي ذلك يقول الثعالبي « أبو منصور عبد الملك » في يتيمة الدهر « السبب في تبريز القوم « 3 » قديما وحديثا على من سواهم في الشعر : قربهم من خطط العرب ولا سيما أهل الحجاز وبعدهم عن بلاد العجم ، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس والنبط . . . وما منهم إلا أديب جواد ، يحب الشعر وينتقده ، ويثيب على الجيد فيجزل ويفصل . انبعثت قرائحهم في الإجادة ، فقادوا محاسن الكلام بألين زمام ، وأحسنوا وأبدعوا ما شاؤوا » « 4 » . وكان أبو بكر الخوارزمي يقول : « ما فتق قلبي ، وشحذ فهمي ، وصقل ذهني ، وأرهف حدّ لساني ، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية ، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي ، وامتزجت بأجزاء نفسي ، وغصن الشباب رطيب ، ورداء الحداثة قشيب » « 5 » . وأما حنينه إلى الحجاز فيعود لوجود المقامات والحضرات
--> « 1 » الخفر : الحياء والبهجة . « 2 » سورة المائدة الآية 57 . « 3 » القوم : شعراء الشام . « 4 » يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر . أبو منصور الثعالبي - دار الكتب العلمية ص 34 الجزء الأول . « 5 » المصدر نفسه ص 35 - 36 .