طوني مفرج
18
موسوعة قرى ومدن لبنان
جهة البحر ، ويبدو أن تلك المغارة الرحبة عند مدخلها كانت بدورها تضمّ معبدا فينيقيّا بحسب باحثين درسوا المكان قبل حوالي القرن ( لامنس ) ، فوجدوا أنّ أمواج البحر قد هدمت الجدار الشماليّ المواجه لليمّ عبر السنين ، علما بأنّ البحر كان قديما أقرب إلى المغارة ممّا هو عليه اليوم . وأكّد هؤلاء على أنّ درجا كان يمتدّ من المغارة إلى الداخل صعدا هو من صنع أيدي البشر وليس من صنع الطبيعة . وقد حوّلت تلك المغارة منذ زمن بعيد لعبادة القدّيس جرجس الذي يرى فيه أخصّائيّون نسخة مسيحيّة عن الإله أدونيس ، وقد استمرّت أعمال العبادة في تلك المغارة دون انقطاع منذ آلاف السنين . ويعتبر كثيرون أنّ أسطورة القدّيس جرجس وقتله للتنّين إنّما نشأت هنا وليس في خليج بيروت ، غير أنّ هذا لا يرتكز على أساس تاريخيّ ثابت إذ إنّ هناك أماكن أخرى تدّعي بأنّ مار جرجس هو قدّيسها ووليّها وأنّه عاش فيها . ولهذا القدّيس اعتبار عند كافّة الطوائف المسيحيّة والإسلاميّة في لبنان والشرق ، والمسلمون يدعونه الخضر ، ويزور الناس من مختلف الانتماءات الدينيّة في لبنان مغارة مار جرجس هذه المعروفة بمغارة الباطيّة للتبرّك وإيفاء النذور وطلب الشفاء . أمّا اسم الباطيّة ، فيؤكّد بما لا يقبل الشكّ على أنّ المعبد القديم الذي كان منشأ بداخلها إنّما كان مخصّصا لعبادة أدونيس ، ذلك أنّ الباطيّة تصحيف لمركّب ساميّ قديم : " بيت طوّاية " BET TAWW YE ومعناه : بيت المحزونين . ومعلوم أنّ شعائر الحزن كانت من أهمّ شعائر ديانة ذلك الإله الذي كان يبكيه عبّاده إلى حدّ النحيب في ذكرى موته . وكان هذا الهيكل مرتبطا بهيكل أفقا عبر " درب أدونيس " الذي يعبر غزير صعودا إلى الغينة للتبرّك بزيارة ضريح الإله هناك ، ثمّ يتّصل بالنهر المقدّس صعودا إلى أفقا . وقد بقيت عبادة أدونيس شائعة في فينيقيا حتّى العهد الروماني .