طوني مفرج

32

موسوعة قرى ومدن لبنان

يأمر أمير جبيل بقتله في أيّة لحظة . ويذكر أنّه كان يقصد شاطئ البحر ليقضي الساعات هناك جالسا يندب حظّه . ويتّضح من خلال التقرير أنّ سبب جفاء الأمير الجبيليّ للرسول المصريّ كان عدم حمل هذا الأخير المال الكافي لدفع ثمن الخشب المطلوب ، وفي محاولة منه لاستمالة الأمير أرسل له الرسول جارية مصريّة مغنّية لترفّه عنه ، ثمّ بعث له بغلام يرجوه السماح له بالمواجهة ، وبعد كلّ هذه المحاولات الدبلوماسيّة الذليلة تعطّف الجبيليّ واستقبل المبعوث في عليّته القائمة على الميناء مباشرة فوق البحر ، ونافذتها تطلّ على مكاسر الموج ، وبادر المبعوث بتعال لافت إذ قال له : " إعلم أنّي لست بخادم لك ولا للذي أرسلك إليّ ، أنا إذا ناديت لبنان تتفتّح السماء وتتدحرج جذوع الأرز من جبال لبنان إلى هذا الشاطئ " ، وعبثا حاول المبعوث المصريّ تليين موقف الأمير الذي لم يوافق على تلبية طلبه إلّا بعد أن استلم كامل ثمن الخشب مالا وورق بردي . عندها أرسل الأمير الجبيليّ ثلاثمائة رجل معهم ثلاثمائة ثور لتأمين جذوع الأرز التي كان الفرعون يبغي بناء سفينة للإله " رع " بخشبها . استقلال وسط التحولات الإقليمية من شأن الشكل الذي تعامل به حاكم جبيل مع المبعوث المصريّ أن يوحي بأنّ سلطة ذلك الحاكم كانت مطلقة ، وبأنّ النظام الذي كان قائما في جبيل كان ما يمكن تسميته بلغة اليوم بالتظام الرئاسيّ ، ولكنّ هذا الإستنتاج ليس حقيقيّا ، فإنّ طريقة الحكم في المدن الفينيقيّة ، وخاصّة جبيل ، كانت شوريّة على مرّ التاريخ ، فكان القاضي الأوّل ، هو نفسه الكاهن الأكبر ، وكان له اعتبار جدّ مميز لأنّه ذو حقّ إلهيّ ، بصفته متحدرا من سلالة الآلهة بحسب المعتقد ، ولكنّه لم يكن متفرّدا في حكمه ، فقد كان هنالك " مجلس شيوخ " ذكرته