طوني مفرج
28
موسوعة قرى ومدن لبنان
الجزّار قد اتّخذ من مدينة عكّا قاعدة لحكمه ، ضحّى بثغر بيروت في سبيلها ، فغدت المدينة في أيّامه بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكّانها الستّة آلاف نسمة بعد أن تحوّلت التجارة عنها . لمّا تسلّم كرسي إمارة الأمير الشهابي الكبير سنة 1788 كانت له مع الجزّار أيّام جفاء وأيّام صفاء ، إلى أن تمكّن الأمير من بسط سلطانه على المدينة ، فانتعشت تجارتها من جديد بعد رجوع ثقة الغرب وتجارته إليها . وبعد موت الجزّار أعاد الأمير توطيد أركان الإمارة وأعاد للبنان الكبير حدوده فساد الأمن في المدينة وحقّقت خطوة واسعة في سبيل الرقي والعمران . وفي سنة 1805 هاجمت المدينة مراكب القرصان وأطلقت عليها مدافعها ، فانحدر إليها الأمير برجاله من رؤوس الجبال وأجلى القرصان عنها . ولمّا فتح إبراهيم باشا المصري بلاد الشام ودخل المدن الساحليّة ، أصبحت بيروت في حكمه منذ سنة 1831 فجعلها باستلام الأمراء الشهابيّين ، ثمّ أقام عليها متسلّما من قبله . وقد عمل المصريّون على توسيع بيروت فهدموا أسوارها وفتحوا فيها الشوارع العديدة . وبهدف توسيع مرفئها ، هدموا قسما من بقايا المواقع الحربية القديمة ، ومنها القصر الكبير الذي بناه فخر الدين ، وقد بلغ عدد سكّانها يومئذ نحو خمسة عشر ألف نسمة . وقد ساد الأمن فيها وانتعشت إلى حين ، حتّى كانت الحركات الثوريّة ضدّ الأمير بشير والحكم المصري التي عرفت بالعاميّات . وفي سنة 1840 تحالف معظم الدول مع العثمانيّين ضدّ المصريّين الذين تعصّب الأمير بشير في استمرار ولائه لهم . وقد هاجم الثوّار المدينة وحاصروها ، واخترقوا أسوارها رغم من أنّ مدافع المصريّين كانت تمطرهم القنابل برّا وبحرا . ثمّ اجتمعت مراكب الدول المتّحدة في ميناء المدينة ، وضربت حصونها ثلاثة أيام متوالية ، فهرب المصريّون منها ، ولجأ سكّانها إلى الجبال القريبة ، فانهار حصن بيروت وسقطت أبراج المدينة وتحصيناتها بالكامل ، وانهار معها حكم الأمير بشير ،