طوني مفرج
16
موسوعة قرى ومدن لبنان
وقد أطنب الكتّاب الأقدمون في مدح بيروت الرومانيّة ، فوصفوا نخيلها وخمرتها الجيدة وأنسجتها ومصانعها . وقد بقيت بيروت راتعة في منازل السعد إلى أن توالت عليها الزلازل في سنوات 349 و 494 و 502 و 543 و 551 لا سيّما في سنة 555 إذ دمّرها زلزال هائل خرّب قسما كبيرا من مدن الشرق ، وقضى على كلّ ما تبقّى منها حريق شبّ فيها سنة 560 م . أثناء إعادة بنائها ، وقد رثاها محام إغريقيّ من آسية الصغرى معاصر لتلك النكبات بقوله : بيروت ، أجمل المدن ، الدرّة في تاج فينيقية ، فقدت لألأها ورونقها . بناياتها التي تعدّ آيات في فنّ العمارة تداعت وسقطت ولم يبق فيها جدار واقفا . لم يثبت منها سوى الأساسات . وقد كان لهذه الفاجعة صدى تردّد في جميع أنحاء الأمبراطوريّة ، وقد رثى بيروت أيضا شاعر إغريقيّ معاصر من إسبانيا بشعر تخيّل فيه المدينة تتفجّع نائحة : ها أنذا ، المدينة التاعسة ، كومة خرائب ، أبنائي أموات . يا للحظّ العاثر المشؤوم . آلهة النار أحرقتني بعد أن هزّت آلهة الزلزال أركاني . يا لتعاستي ، بعد أن كنت مجسم الجمال أصبحت رمادا . هل تبكون عليّ أيّها العابرون الماشون فوق أطلالي ؟ هل تسكبون عليّ دمعة حزن ؟ هل تأسفون لمجد بيروت ؟ بيروت التي لا وجود لها ؟ أيّها الملّاح لا تمل بشراعك نحو شاطئي ، لا تنزل شراع مركبك ، فإنّ المرفأ الأمين أصبح أرضا يابسة قفراء ، أصبحت لحدا موحشا ، أمل عنّي ، سر إلى المواني المرحة التي لا تعرف البكاء ، إلى موانيها سر على صوت قرع المجذاف ، هكذا شاء الإله بوسيدون ، إله البحر والزلزال ، وهكذا شاءت الآلهة السمحاء . وداعا يا ملّاحي البحار . وداعا أيّتها القوافل الآتية من وراء الجبال . . .