عباس العزاوي المحامي

29

موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين

وأهل دائرته إلا أن هذا لا يعلم عن أحوال بغداد شيئا ، فلا يصلح للقيام بالمهمة ، فاختار ابن النائب كتخدا - في شعبان - لأنه كان مستكملا الصفات المطلوبة ، عارفا بالداخل والخارج ، وله المعلومات الوافية ، وفي أيام داود باشا كانت له المنزلة المقبولة رأى عيانا ما قام به . بذل ما استطاع في إرضاء الوزير . وحصر به الأعمال كافة ، فأقلق راحة رجال الوزير كما تعقب المجرمين وأهل الشقاء فاضطرب الكل لما استولى عليهم من الخوف ، وحسبوا أن قد عاد زمن المماليك مرة أخرى . تألبوا عليه ، ولكن خدماته كانت مقبولة في نظر الوزير ، فلم يتمكنوا من تغييره عليه بسهولة ، وإذا عزل أيضا فلا يبعد أن يستعيد مكانته بعد قليل . فلا يوجد من يعدله في مقدرته . صاروا يخشون بطشه . . فاتفقوا أن يغروا الوزير بقتله ، فتم لهم الأمر ، واضطر أن يقتله . وذلك أنه من حين صار كتخدا قرب إليه رجال المماليك فأحال إليهم المهمات ، جلب لجهته أعيان العراق وشيوخهم وأمراءهم وفي أيامه استعاد ( جيش بغداد ) « 1 » . فأخذهم وصار شأنه كسائر الكهيات السابقين ، يسير بخدمته نحو ثلاثمائة أو أربعمائة من رجاله . فاتخذوا ذلك وسيلة لتنفيذ ما أضمروه من الوقيعة به . . فأفهموا الوزير بأن هذا قد أمّن الخارج ، ولم يبق له إلا الداخل ، وأن يستولي عليك وعلى من معك . نواياه ظاهرة من أعماله هذه . . وقالوا له ( تغدّ به قبل أن يتعشّى بك ) . فتردد الوالي في بادئ الأمر ، ولكنه لما لم يزاول أمور السياسة بتدبير وحذق ظن أنه سوف يستقل بأعماله هذه ، وهكذا حذره القاضي تقي أفندي الحلبي ، وكان جريئا ، حديد اللسان . . ورأى من أهل دائرته

--> ( 1 ) الجيش العثماني هو ( جيش بغداد ) . من الينكجرية الأهليين دون الذين يأتون من استنبول على حساب الدولة وإن كان زال عنهم اسم الينكجرية وصار يطلق عليهم الجيش الموظف إذ لم يكونوا من الجيش النظامي .