جعفر الخليلي
46
موسوعة العتبات المقدسة
عبد اللّه بن العباس قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار : اما الكوفة وسوادها فهناك شيعة علي وولده ، والبصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف ، وأما الجزيرة فحرورية مارقة واعراب كاعلاج ، ومسلمون أخلاقهم كاخلاق النصارى ، واما الشام فليس يعرفون الّا آل أبي سفيان وطاعة بني مروان ، عداوة راسخة ، وجهل متراكم ، واما مكة والمدينة فغلب عليها أبو بكر وعمر ، ولكن عليكم بأهل خراسان ، فان هناك العدد الكثير ، والجلد الظاهر ، وهناك صدور سليمة ، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ، ولم تتوزعها النحل ، ولم يقدم عليها فساد « 1 » . فالمنطق والعقل والخبرة والتجربة ، كان في نسبة جد كبيرة عند الخراسانيين ولذلك كان عدد النبغاء منهم في مختلف العلوم والفنون الاسلامية ، وغير الاسلامية وحتى في النحو واللغة العربية وآدابها وفي الفقه والحديث والتفسير كبيرا جدا مما سنشير إليه إشارة عابرة . « قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي : يا أبت ما الحفّاظ ؟ قال يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا ، قلت : ومن هم يا أبت ؟ قال : محمد بن إسماعيل ذاك البخاري ، وعبيد اللّه بن عبد الكريم ذاك الرازي ، وعبد اللّه بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي ، والحسن بن شجاع ذاك البلخي » « 2 » وما عدا ( الرازي ) فان الحفاظ كلهم خراسانيون عند الذين يخرجون الري من إقليم خراسان ، وقد كان الحسن بن شجاع البلخي اجمعهم للأبواب على ما روى أحمد بن حنبل ، وقد لطّفت الأديان من الخراسانيين أمزجتهم ، وهذّبت منهم نفوسهم ، وصقلت أفكارهم ، ووسّعت دائرة عقولهم ، ووضعتهم في المكان اللائق بهم ، وطبعتهم لحد كبير على حب الحرية ، والتمسك بأذيالها تمسكا استلفت انظار الكثير من المؤرخين ومؤرخي الاسلام والعرب خاصة .
--> ( 1 ) معجم البلدان - مادة خراسان . ( 2 ) معجم البلدان - مادة بلخ .