جعفر الخليلي
41
موسوعة العتبات المقدسة
بقتل مئتي فارس من فرسانهم على مرأى من الجيش كله . لكنه حينما أقدم على تسلم بيت المقدس أظهر كل ما يمكن من ضروب الرحمة والاعتدال . فقد سمح لجميع من يرغب في ترك هذه المدينة المقدسة بأن يفعل ذلك من دون ان يتعرض لأي نوع من الأذى ، حتى أنه سمح للأساقفة بأن يأخذوا معهم الكثير من الكنوز العائدة للكنائس ، وقدم لمن بقي شروطا سخية . وبذلك عادت القدس مرة أخرى إلى أيدي المسلمين ، وبذل صلاح الدين كثيرا من الجهد لاستعادة أمجادها السابقة وتعمير أماكنها المقدسة مثل قبة الصخرة والمسجد الأقصى اللذين قلبهما النصارى إلى كنيستين . وبمرور الزمن تلاشت من بين المسلمين والمسيحيين البغضاء التي أوصلها الصليبيون إلى الأوج ، واتخذت الترتيبات اللازمة بالسماح النصارى في زيارة القبر المقدس متى شاءوا . لكن ذلك لم يدم طويلا . ففي سنة 1240 اكتسح الأتراك الخوارزميون البلاد ، وهدموا بيت المقدس تهديما جزئيا بعد ان فتكوا بالسكان المسيحيين فيها ، وفي 1250 ظهر المغول بقيادة هولاكو حواليها فردهم السلطان المملوك بيبرز ، الذي أخضع فلسطين للحكم المصري مرة أخرى . وقد استقام الحكم المصري هذا زهاء ثلاث مئة سنة ، أي إلى أن انتزع الأتراك العثمانيون منه السلطة لأنفسهم وأصبحوا أسياد الشرق الأوسط . وباستثناء فترة قصيرة استعادت فيها مصر السيطرة على فلسطين ، فقد بقيت بأيدي الأتراك منذ ذلك التاريخ حتى سلموها إلى حوزة الانتداب البريطاني في 1917 . ولا يعرف الا القليل عن أحوال بيت المقدس الاعتيادية في الفترات التي كانت تتخلل ما يذكره المؤرخون من بلايا ومصائب عظيمة . لكنه يستفاد من انطباعات المقدسي ، الجغرافي العربي الشهير ، عن القدس التي ولد فيها سنة 946 أنها ثمينة لندرة مثيلاتها بين البلاد ، وأنها أجمل مدينة في العالم ، لأن الحياة فيها على حد قوله كانت ملأى بكل ما هو لطيف وجميل ، وان كل من يريد التمتع بما في الدارين ان يفعل ذلك عن طريق الإقامة في قدس القرن العاشر الميلادي ، وبعد ذلك يحدثنا عن العقارب التي يمتلئ بها « وعاؤها الذهب » .