جعفر الخليلي

100

موسوعة العتبات المقدسة

أبا عبيدة سرعان ما بيّن له ان هذا كان من عادة أهم البلاد في مناسبات مثل هذه ، وأنهم إذا منعوا من القيام به سوف يعتقدون ان عمر ما زال على موقفه المعادي منهم . وبمثل هذه الحجج أقنع الخليفة بصعوبة على التغاضي عن هذا العبث التافه « 1 » . لكن غضبه على القادة العرب كان أشد من هذا . فقد ركب أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وخالد إلى الجنوب لاستقباله وهم يلبسون ملابس مقصبة ثمينة ، ويمتطون خيولا مرخّتة بالعدد الغالية . فقال لهم وهو مغضب ، على ما يروى ، أتأتون إلي وأنتم ترفلون بمثل هذه الملابس ، هل تغيرتم إلى هذا الحد خلال سنتين ؟ إنكم جميعا تستحقون العزل بالخزي والعار . فأجاب القادة وهم مرتبكون ، على ما يذكر الرواة : ان التبدل الذي تراه يا أمير المؤمنين هو تبدل في الظاهر فقط وكشفوا عما تحت الملابس الخارجية ليروه دروعهم المزرده من تحتها . لكن الخليفة الذي كان يلبس رداء مرقعا لم يهدأ غضبه الا بصعوبة . وقد برهن المستقبل على أن مخاوفه كانت في محلها . وكان ينتظر عمر بن الخطاب في القاعدة العسكرية في الجابية وفد مرسل من البطريرك صفرونيوس ، فوضعت شروط الاستسلام في الحال . ثم ركب الخليفة إلى الجنوب عبر وادي الأردن ، في الطريق العام القديم الذي يمر ببيسان ويقطع جبال السامريين الباسمة ، المغطاة بحقول القمح والكروم وبساتين الزيتون ، إلى أن وصل إلى المدينة المقدسة حيث استقبله فيها البطريرك حامي الكنيسة ذي اللسان المعسول . لكن صفرونيوس إذا كان لسانه قد نطق بكلمات مجاملة رقيقة ، فقد كان قلبه أبعد ما يكون عن الاخلاص . وحينما كان الخليفة البدوي الحافي يمشي بملابسه الرثة حول كنيسة القيامة همس البطريرك باليونانية في أذن أحد أتباعه يقول « هذه هي بالتأكيد فظاعة الدمار الذي تكلم عنه النبي دانيال وهو يقف في البقعة المقدسة « 2 » » .

--> ( 1 ) جاء في فتوح البلدان في رواية عن عبد اللّه بن قيس ، قال كنت في من تلقى عمر مع أبي عبيدة مقدمة الشام ، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان . فقال عمر : مه ، امنعوهم . فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين هذه سنتهم ، أو كلمة تحوها ، وانك ان منعتهم منها يروا ان في نفسك نقضا لعهدهم ، فقال عمر دعوهم . ( 2 ) يذكر الطبري ان اللد والرملة استسلمتا في نفس الوقت الذي استسلمت فيه القدس .