جعفر الخليلي
14
موسوعة العتبات المقدسة
الشمال ، وتشد هذه المنطقة ، إلى هذه الصحارى صلة دائمة من حيث إنها تتعرض لهجمات الرياح المحرقة المفاجئة ، ومن حيث إنها تستهوي البدو الرحل وقد بلغتها منهم موجات متعاقبة ، وأقامت في أقسام كبيرة منها أحيانا ، فهي لهم الأرض السعيدة بفضل امطارها وأنهارها ، وينابيعها : فالزراعة ممكنة فيها ، وجبالها مكسوة بالأشجار ، ثم إن الطرقات المختلفة تؤدي إليها وتمرّ فيها ، وهي المسلك الطبيعي الوحيد بين مصر وجميع بلدان الشرق الأدنى ، وقد يلفظ البحر فجأة القراصنة ورائدي المغامرات ، ولكن هذا البحر نفسه طريق يؤدي إلى البلدان المختلفة ، وهنالك أخيرا طرق القوافل التي تصلها بأسفل الفرات وبلاد ما بين النهرين ، فهي بلاد صغيرة اذن لا حدود طبيعية لها ، ولا وحدة فيها ، ولا إدارة مركزية تجمعها ، ومفترق مستطيل قسمته طبيعة الأرض إلى طرائد طويلة تتجه من الشمال إلى الجنوب ، وهي إلى ذلك مفتوحة امام كل سيطرة وتأثير وقد طمعت فيها كل الإمبراطوريات العظيمة ، والجماعات البشرية التائهة التي رغبت في أن تقتطع فيها لنفسها مكانا « 1 » ومع كل ذلك المزيج والاختلاط من مختلف الشعوب العابرة والمستوطنة فان الطابع العام لسكان ارض كنعان ( فلسطين ) طابع سامي ، وقد تأثر بمختلف الحضارات فكانت له طبيعة ذات لون حضاري مكتسب من العراق ، ومن مصر ، وبلدان البحر الأبيض المتوسط . يقول جيمس هنري بريستد : ان اتجار فلسطين مع بابل علم الساميين الغربيين - اي سكان فلسطين - الكتابة المسمارية ، وكانت فلسطين مدخل الجسر الواقع بين آسيا وإفريقيا ، فامتزجت فيها مدنيات مصر ، وبابل ، وفينيقية ، وبلاد إيجه ، وآسيا الصغرى بأسلوب لا مثيل له في الشرق القديم . وكانت السلع التجارية هي عنوان تلك المدنيات ، ودليل تغلغلها في الوسط الفلسطيني ، ولأن موقعها بين جارتيها القويتين : مصر والعراق جعلها معتركا
--> ( 1 ) تاريخ الحضارات العام - ج 1 ص 255 - منشورات عويدات بيروت .