جعفر الخليلي
330
موسوعة العتبات المقدسة
ويقول رتر وحينما توغلنا في داخل المقبرة لمشاهدة الأكوام التي تدل في يومنا هذا على قبور المسلمين الأوائل الذين صنعوا التاريخ الحافل ، سمعت دليلي عامدا يكرر بهمس : استغفر اللّه ، استغفر اللّه ، لا حول ولا قوة الا باللّه . وكان القلة ممن بقي من سدنة القبور التي بقيت معالمها شاخصة للعيان يقفون أو يجلسون بجنبها بأوجه غير معبرة ، ومن دون ان تبدر منهم أية حركة . فلم يطلبوا الصدقة ، ولم يتكلموا بشيء سوى بعض الكلمات الخافتة برغم عدم وجود أحد من الوهابيين على مقربة منهم غير اثنين من عبيد ابن سبهان في الباب . لكن بعض النواخلة كانوا لا يزالون منشغلين في التقاط بعض القطع الصالحة للاستعمال من الخشب وغيره ، من بين الخرائب والأنقاض . وليس بوسع هؤلاء النخاولة في العادة ان يدفنوا موتاهم بين الأولياء في البقيع ، لكنهم قاموا الآن تحت اشراف الوهابيين بتهديم قبور المسلمين السنة وتدميرها . وقد سرنا في ممر ضيق ، نظف من بين الزبل المبعثر ، نحو قبر عثمان الواقع في الجبهة الشرقية من المقبرة . وفيما كنا نخطو هذه المسافة خطوا مستأنيا التقينا بجماعة من الهنود راجعين من زيارة هذا القبر . وكان الذي يتقدمهم رجلا مسنا ذا لحية طويلة قد وخط الشيب سوادها ، وكان وهو يمشي منتصب الرأس لا يحرك عينيه يمنة ولا يسرة ، بل كان ينظر إلى الأمام على الدوام والدموع تنحدر من عينيه بتيار مستمر . اما الذين كانوا يسيرون وراءه فقد نظروا الينا نظرة خاطفة ثم حولوا أنظارهم إلى الأمام بسرعة . فوصلنا إلى مرتفع بسيط ، وعندئذ عرفت سبب الحزن الذي كان يبدو على الهندي المسن . فقد كان هناك بين يدينا على الأرض منشأة طويلة قليلة السمك لا يكاد يبلغ سمكها ست بوصات . وكان يبدو أنها مصنوعة من اطار خشبي دقت فيه بالمسامير قطع خشنة من التنك . فكان هذا هو قبر عثمان الخليفة الثالث نفسه . وكان يجلس بجانبه هندي آخر وهو ينتحب .